التقارب الكندي الأوربي تحوّل جيوسياسي!
اضحوي جفال محمد*
ليس كأي تقارب بين الدول والكتل الدولية في العالم الحديث، وانما هو تطوّر خطير سنشهد انعكاساته داخل الولايات المتحدة في المستقبل غير البعيد.
ان بطل العملية غير المنازع هو رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الشخصية الاستثنائية في زمن أقفرت فيه بلدان الغرب من القادة التاريخيين، على اعتبار ان ترامب استثنائي بالمقلوب.
منذ ان رحل شيراك وتاتشر لم يظهر على الساحة الاوربية قائد كبير سوى ميركل التي ميزتها الاهم أنها لم تفعل شيئاً. ربع قرن والاوربيون يعيشون حالة شلل واستخذاء، وكان المراقبون يترقبون بزوغ قائد كبير كما تمر الامم بمرحلة (الفترة). فجاءهم من خارج اوربا، ونقل بلده العملاق عبر الأطلسي إلى الفضاء الأوربي متحدياً كل غطرسة ترامب وسطوة امريكا.
لم تكن كندا قبله كأي بلد آخر في العالم، لا شبيه لها سوى ورشة ملحقة بمعمل معجون تقوم بإنتاج العلب له، فوجودها قائم مصيرياً على دورها المكمل للمعمل. أكثر من ثلاثة ارباع الصادرات الكندية مصممة خصيصاً للسوق الأمريكي. وهي نقطة الضعف التي نفذ منها ترامب ليتعامل مع كندا كوصي. فبلغ به الاستهتار ان يدعو لضمها فتكون الولاية الحادية والخمسين من ولايات بلاده.
احتاجت كندا إلى قوة أسطورية تنقذها من الهاوية التي دفعها اليها ترامب دون إمهال.. بحاجة إلى الجراح الحاذق المختص بفصل السيامي، فكان هو كارني، الرجل الذي بدأ مشواره السياسي من القمة، رئيساً لوزراء كندا، ولم يتدرج كما تدرج جميع السياسيين الذين فشلوا ولم تشفع لهم ألقابهم الجمة. انه واحد من اكبر رجال المال، وهو المطلوب. كان رئيساً لبنك كندا خلال الأزمة المالية التي عصفت بالغرب عام 2008، وكان رئيساً لبنك بريطانيا خلال خروجها من الاتحاد الأوربي، ويكفيه المنصبان شهادة موثقة بأنه رجل المهام الصعبة، فانتدبه الحزب الليبرالي الحاكم لقيادته وقيادة كندا بينما كان سلفه جاستن ترودو يجلس بين يدي ترامب يتلقى الاهانات ولا يحير جواباً. فاتجه كارني ودون مقدمات إلى وجهة مختلفة جذرياً عن نهج التذلل الذي انتهجه ترودو. وكان مؤتمر دافوس في سويسرا (كانون الثاني الماضي) المواجهة التي دشنت نجوميته السياسية من خلال تحديه ترامب. وشرع بفك عُرى الاقتصاد الكندي مع الولايات المتحدة استعداداََ لبناء شراكات جديدة مع الصين واوربا.
لم تكن المسألة خياراً سياسياً معقولاً وانما ثورة اقتصادية تعيد بناء الاقتصاد الكندي كي يخرج من الربق الامريكي. وفعل منفرداً ما لم يجرؤ على فعله 27 رئيساً أوربياً مجتمعين.
في العلوم العسكرية يحصل ان تتقدم قوة لمحاصرة قوة معادية فينقطع وراءها طريق الامداد او العودة وتصبح هي المحاصَرة. وهذا ما يمكن ان ينتج عن هذا الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وكندا. فالعنجهية التي تعامل بها ترامب مع كندا تقوم على ثلاث قوائم تطوق كندا بشكل محكم، هي ألاسكا والبر الأمريكي وغرينلاند التي اعتبرها ترامب تحصيل حاصل. أما وقد تمكن كارني من هزم الجبن الأوربي، واستحصل أمس دعوة رسمية من الاتحاد الأوربي لتكون كندا عضواً منتسباً في الاتحاد، فإن الوضع السياسي لغرينلاند انقلب كلياً. كانت إحدى دعاوى ترامب في أحقية بلاده بالجزيرة انها أمريكية جغرافياً وليست اوربية. والآن جاءت من ورائها اكبر دولة امريكية لتعانق اوربا وتسدلان عباءتيهما على ما بينهما. وتصبح لهذا التكوين الوليد إطلالة على المحيط المنجمد الشمالي تضاهي إطلالة روسيا. وثقافياً تزف كندا معها إلى القلب الأوربي مقاطعة كويبيك عروس الفرانكوفونية.
إلى جانب الولايات المتحدة تسحق هذه التحولات بريطانيا النادمة على خروجها من الاتحاد الأوربي، فكأنما تمر كندا من فوقها لإهاضة مواجعها، وكأنها آتية من وراء الأطلسي لاحتلال مكانها الشاغر. والحقيقة ان مسعرات المأزق البريطاني عديدة، وبينها التململ الداخلي الذي يسعى للانفصال، وتتظافر لأجله المقاطعات الثلاث مجتمعة، أسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية. وزاد الطين بلة ما أعلنه ترامب قبل ايام، وخلال زيارته جمهورية أيرلندا من انه يدعم عودة أيرلندا الشمالية إلى الوطن الام، وتلك ضربة نجلاء للاتحاد البريطاني، فلا مملكة متحدة من غير أيرلندا.
المطروح الآن ليس عضوية كندية كاملة في الاتحاد وانما انتساب قد يتطور إلى العضوية بالنظر لغناها واستعدادها للإسهام السخي في النشاطات الاوربية.
اخيراً أقول ان هذه الصورة التي اعتنيت برسمها لتكون زاهية ما هي إلا نصف الحقيقة.. والنصف الآخر ما سيكون عليه رد فعل الولايات المتحدة ازاء عملاق يتشكل في مواجهتها. ونحتاج ساحراً او منجماً لينبئنا بما سيفعله ترامب!.
( اضحوي _ 2443 )
2026-09-19