قمة مجموعة السبع:
بين أزمة الشرق الأوسط، ومأزق النظام العالمي
سعيد محمد*
تحت شعار “التعاون من أجل عالم أكثر أمناً” عقدت مجموعة الدول الغربيّة السبع الكبرى (G7) قمتها الحادية والخمسين (الإثنين) في منتجع “كاناناسكيس” وسط جبال الروكي الكندية، لكنّ الانحياز الكليّ من قبل الولايات المتحدة الأمريكيّة لإسرائيل، والتوترات بين الفرقاء عبر جانبي الأطلسي، كما مخاوف العديد من الدول من تحول النزاع الإسرائيلي-الإيراني إلى حرب إقليمية كبرى أخذها إلى ما هو عكس شعار القمّة: امبراطوريّة أمريكيّة متفلتة، وعالم أكثر انقساماً، وعجز ظاهر لما تبقى من النظام الدولي الليبرالي عن احتواء أزمات العالم المتلاحقة.
وكما كان متوقعاً فإن العدوان الإسرائيلي على إيران سيطر على الحدث الذي أريد له تعميق وحدة الغرب تجاه روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وكسر حدة التطرفات في حرب التعرفات الجمركية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد شركاء بلاده التجاريين، وكذلك مناقشة قضايا مثل الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة. وقد اختار ترامب أن يغادر القمة مبكراً مساء الإثنين، معلناً أن “ما يجري في الشرق الأوسط” يستدعي عودته الفورية إلى واشنطن، بعدما دعا الإيرانيين – عبر صفحته على تطبيق تروث سوشال – إلى “إخلاء طهران فوراً”، ما أثار تكهنات عن تدخل عسكريّ أمريكي وشيك إلى جانب إسرائيل، وهي تكهنات نفتها وزارة الدفاع الأمريكية تالياً، لكنها لم تهدئ المخاوف من توسع رقعة الحرب.
الخلافات ظهرت مبكراً حول صيغة البيان الختامي بين مواقف قادة الدول الأعضاء – إلى الولايات المتحدة كلاً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان – حيث حاول الأوروبيون تضمين دعوة إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران ومن ثم العودة للحلول الدبلوماسية لحل عقدة المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب رفض التوقيع على تلك الصيغة، ما حدا برئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تقديم صياغة منحازة تضمنت تكرار الدّعم لأمن إسرائيل وحق مزعوم لها بالدفاع عن نفسها، والتأكيد الحاسم على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، مع دعوة خجولة إلى الأطراف ل”خفض التصعيد”. وعلى هامش القمّة استمر ترامب بترداد لازمته “إن إيران ليست بصدد كسب هذه الحرب”، وحثها على التفاوض – أي القبول بإنهاء مشروعها النووي -، مضيفاً: “كان عليهم توقيع الاتفاق النووي الذي عرضته عليهم”.
ترامب سرق الأضواء مبكراً في بداية القمة، بعدما قال إن طرد روسيا من المجموعة التي كانت تعرف بمجموعة الثماني – عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم – كان “خطأ كبيراً”. وأشار إلى أنه وحده من يستطيع التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “بوتين يتحدث إليّ، لا يتحدث إلى أحد غيري… لأنه شعر بالإهانة حين طُرد من المجموعة”، ورأى أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو بقيت عضوة فيها. كما قال إنه لا يعارض ضم الصين إلى المجموعة، واصفاً الأمر ب”الفكرة غير السيئة إطلاقاً”، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل المجموعة التي بُنيت أصلاً على أسس الديمقراطية الليبرالية، وتوحيد المواقف الغربية تجاه العالم.
ووسط انشغال القادة بالحرب المستجدة في الشرق الأوسط، تراجعت أولوية الملف الأوكراني رغم حضور الرئيس فولوديمير زيلينسكي للقمة. وتباهى ترامب بعلاقته مع بوتين، وقلل من أهمية الضغط على موسكو، وأربك الزعماء الأوروبيين الذين سعوا إلى تشديد العقوبات عليها. ووفق مصادر دبلوماسية، لم تنجح محاولات الرئيس الأوكراني في حشد موقف موحد يعزز موقع بلاده التفاوضي.
وفي لحظة صادمة، انسحب ترامب من القمة قبل لقاء مخطط له مع رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيزي، ما ألغى محادثات حيوية بشأن صفقة الغواصات النووية الثلاثية التي تجمع البلدين وبريطانيا.
وفشلت القمة أيضاً في التوصل إلى مقاربة موحدة في مجالات عدة، مثل الهجرة والذكاء الاصطناعي، بسبب تحفظات أمريكية أساساً، فيما استبعد المنظمون موضوعات كانت تُشكل صلب أجندات القمم السابقة، كالتغير المناخي ومكافحة الفقر إلى المساواة الجندرية وحقوق المثليين وذلك لتجنب استفزاز ترامب، تفادياً لتكرار سيناريو قمة 2018 (التي عقدت في كندا أيضاً) حين انسحب الوفد الأمريكي قبل دون الموافقة على البيان الختامي.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يُخفِ خيبته من مغادرة ترامب المبكرة. لكنه صرّح للصحافة بأن وراءها “عرضاً طُرح لبدء هدنة وفتح قنوات حوار أوسع”، رغم إقراره بأن فرص نجاحه “مرهونة بإرادة الطرفين الإيراني والإسرائيلي” ما أوحى للمستمعين بأن الرئيس الأمريكيّ يعمل خلف الكواليس لإنجاز صفقة. على أن تلك التصريحات قوبلت بسخرية علنية من ترامب، الذي كتب على منصة “تروث سوشال”: “ماكرون لا يعرف لماذا غادرت القمة، وهو دائماً ما يُخطئ. الأمر أكبر بكثير من وقف إطلاق نار”.
أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فقد حاول قيادة موقف أوروبي موحد خلال لقاء غير رسمي عُقد مساء الأحد لتنسيق المواقف مع قادة بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، تم التوافق خلاله على ضرورة منع تفاقم الحرب بين إسرائيل وإيران إلى مستوى إقليمي يهدد الملاحة العالمية وسوق الطاقة. لكن افتقار القادة الأوروبيين إلى أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل، ناهيك عن إيران، جعل هذه المداولات أقرب إلى جلسة تأمل أكثر منها تخطيطاً استراتيجياً قبل وصول ترامب.
رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر شدد على “الإجماع داخل مجموعة السبع حول ضرورة خفض التصعيد”، لكن دون تقديم آليات واضحة، لا سيما بعدما فقدت طهران الثقة بالثلاثي الأوروبيّ برلين-باريس-لندن كوسيط نزيه.
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حضر القمة كضيف شرف، للمرة السادسة على التوالي، في إشارة إلى الأهمية المتزايدة لدور الهند على المسرح العالمي، وفي كلمته، شدد على أهمية “الاستقرار في الطاقة، والتحول الرقمي الآمن، والتوازن في الأمن الإقليمي”، لكنه تفادى ذكر الحرب بشكل مباشر، مراعياً علاقات بلاده المعقدة مع كل من إسرائيل وإيران.
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد حضر جلسة حول “أمن الطاقة” لكنه التقى بعدد من القادة على الهامش لمناقشة “الحاجة إلى ضبط النفس وتفعيل القانون الدولي بشأن النزاع الإسرائيلي- الإيراني”، وفق ما ورد في بيان للمنظمة. ومع ذلك، غاب صوت الأمم المتحدة فعلياً عن التأثير في مجريات القمة، في مشهد كرس هشاشة النظام الدولي المتعدد الأطراف أمام صلف الولايات المتحدة.
في الاقتصاد، أصر ترامب على أن الرسوم الجمركية “أداة ضرورية” لحماية الصناعة الأمريكية. وعلى الرغم من تصديقه على اتفاق مع بريطانيا لخفض بعض الحواجز التجارية، فإن تصريحاته تجاه كندا وأوروبا كانت تصعيدية.
كما ناقش القادة مستقبل سلاسل الإمداد في المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي دون التوصل إلى تفاهم بشأنها في البيان الختامي. وبحسب دبلوماسي أوروبي، فإن “الولايات المتحدة لم توافق على أي من المسودات، مما يجعل من الصعب التحدث عن أي نتائج ملموسة للقمة”.
ستسجل كاناناسكيس 2025 دون شك كواحدة من أكثر القمم فشلاً وتناقضاً في تاريخ المجموعة. فلم تنجح في بناء موقف موحد تجاه أخطر صراعين يواجهان العالم: لا الحرب الأوكرانية المستمرة منذ سنوات، ولا حرب الشرق الأوسط الأحدث المستمرة منذ أيّام، وكشفت عن عمق المأزق الذي يواجهه النظام العالمي الليبرالي ما بين نزعة ترامب الانعزالية–البراغماتية، وتصاعد النزاعات الجيوسياسية، وفقدان قوى أوروبا القديمة أي وزن استراتيجي، ما جعل من المجموعة أقرب إلى ناد مأزوم، منه إلى محور قيادة عالمية، وأبقى السؤال معلقاً حول مبررات وجودها من حيث المبدأ.
– لندن
2025-06-18