قمة الناتو في لاهاي:
أزمة إيران وإسرائيل على جدول الأعمال
فرضت الضربات الأمريكية الأخيرة على منشآت نووية إيرانية نفسها على قمّة الناتو في لاهاي، حيث يناقش الزعماء التداعيات الأمنية. وبينما أشادت الترويكا الأوروبية بالعملية، دعت للعودة إلى المسار الدبلوماسي وحذّرت من تغيير النظام في طهران في وقت تزايدت فيه الشكوك حول مكان المواد المخصبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي.
سعيد محمد *
فرضت الأزمة الناشبة في الشرق الأوسط بسبب العدوان الإسرائيلي / الأمريكي على إيران نفسها على جدول أعمال قمّة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي بهولندا، والتي تستمر ليومين. ومن المحتمل أن زعماء الدول ال32 أعضاء الحلف سينخرطون في نقاشات مستفيضة حول تداعيات القصف الأمريكي الأخير لثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسيّة لا سيما مع تردد أنباء عن نقل طهران أكثر من 400 كليو غرام من اليورانيوم إلى أماكن سريّة آمنة قبل الضربة.
وهذه القمّة المجدولة منذ وقت طويل قد تكون حاسمة لمستقبل الحلف حيث يفترض أنّها ستتوصل إلى قرار بشأن مطالبة الرئيس الأمريكي للحلفاء برفع نسبة انفاقهم الدفاعي المستهدف إلى ما يعادل 5 بالمائة من الدخل القومي الإجمالي لكل منها – مقسّماً إلى 3.5 للدفاع التقليدي و1.5 للإنفاق على البنية التحتية والأمن السيبراني -، مقارنة بالهدف الحالي الذي يبلغ 2 بالمائة ولا يحققه فعلياً كثير من الدول الأعضاء.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في وقت متأخر مساء الإثنين عبر منصته تروث سوشال عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران من شأنه أن ينهي “حرب الـ 12 يومًا” – على حد تعبيره. ويعتقد أن ترامب سيدفع على هامش القمّة حلفاءه الأوروبيين لا سيما في ترويكا فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى استعادة الزخم إلى المسار الدبلوماسي في سباق لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وعلى الرغم من أن القوى الأوروبية، وبخاصة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، أشادت بالعملية الأمريكية التي جاءت استكمالاً لحملة إسرائيلية مستمرة استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية، إلا أن مسؤولين أوروبيين تحدثوا للصحافة في أجواء لاهاي عن أملهم في أن يثني الزعماء الأوروبيّون ترامب عن أي محاولة لتغيير النظام في إيران، وهو احتمال ناقشه ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً في الأيام الأخيرة.
وقد حثت القوى الأوروبيّة إيران على العودة الفورية إلى المفاوضات، وأعربت عن قلقها من أن إسرائيل استهدفت مواقع عرضية لا علاقة لها بالبرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق حذر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من “التقلبات” في المنطقة، مشجعاً إيران على “العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء هذه الأزمة”. وتساءل وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول عما إذا كان من الممكن فعلياً إلغاء المعرفة النووية لطهران، مؤكداً على ضرورة استئناف الحوار إذ “لا أحد يعتقد أنه من الجيد الاستمرار في القتال”. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد دعا إلى “خفض التصعيد وإلى ممارسة إيران أقصى درجات ضبط النفس في هذا السياق الخطير، للسماح بالعودة إلى الدبلوماسية”. وأكد أن “الانخراط في الحوار وتأمين التزام واضح من إيران بالتخلي عن الأسلحة النووية أمر ضروري لتجنب الأسوأ في المنطقة بأسرها. لا يوجد بديل”.
وقال ماكرون إنه لا يوجد أساس قانوني للضربات الأمريكية على القواعد النووية الإيرانية، حتى لو كان تحييد البرنامج النووي الإيراني أمر “مشروع”، مؤكداً أن “فرنسا تشاطر هدف عدم رؤية إيران تحصل على سلاح نووي، لكننا اعتقدنا دائماً أنه يمكن القيام بذلك من خلال طريق دبلوماسي وتقني” متباعداً في ذلك عن موقف شريكه في الترويكا المستشار الألماني فريدريك ميرز الذي كان صريحاً في دعمه للقصف الأمريكي والهجمات الإسرائيلية على إيران، قائلاً إن طهران هي “نظام الإرهاب في العالم”، وأنّه “لا يرى سبباً لانتقاد ما بدأته إسرائيل قبل أسبوع ولا يوجد حتى الآن سبب لانتقاد ما فعلته أمريكا في نهاية الأسبوع الماضي”.
ويبدو أن القوى الأوروبيّة على علم بتزايد الشكوك بين الخبراء حول فاعلية حملة القصف الأمريكية، التي أطلق عليها اسم “عملية مطرقة منتصف الليل”، وادعاءات البنتاغون (وزارة الدّفاع الأمريكيّة) بأنها “ألحقت أضراراً بالغة” بالبنية التحتية النووية الإيرانية.
واعترف مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون تحدثوا لصحف بريطانية بأنه ليس من الواضح كمية المعدات والمواد الانشطارية التي تمكنت طهران من إنقاذها قبل استهداف مواقعها النووية الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان. وهناك تكهنات مخزون إيران من اليورانيوم المخصب البالغ 400 كيلوغرام بدرجة أقل قليلاً من مستوى القنبلة – 90 بالمائة – وهو جزء من مخزون إجمالي يزيد عن 8400 كيلوغرام، ومعظمه منخفض النقاء – قد نقل منذ وقت مبكر خارج المواقع التي استهدفها الأمريكيون وهو ما يدفع خبراء للاعتقاد بأن طهران لديها القدرة على إنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لعدة قنابل نووية في غضون أيام إذا اختارت ذلك، وبحد أقصى شهوراً أو عاماً.
وأشار مايكل روبن، المسؤول السابق في البنتاغون والخبير بالشؤون الأمريكيّة في معهد أمريكان إنتربرايز، إلى أن ترامب “تحدث مبكراً جداً” عن أن الولايات المتحدة “قضت” على القدرة النووية الإيرانية “بشكل كليّ وكامل” بضرباتها في عطلة نهاية الأسبوع. وقال: “ربما نكون قد انتظرنا وقتاً طويلاً وأعطينا الإيرانيين الوقت لإخلاء مخزوناتهم من المواد المخصبة. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يمثل فشلاً في القيادة”.
ونقلت فايننشال تايمز اللندنية عن ريتشارد نيفيو، المسؤول الأمريكي الكبير السابق الذي عمل في إيران في إدارتي الرئيسين السابقين أوباما وبايدن قوله: “سيكون من الحماقة القول بإن البرنامج (البرنامج النووي الإيراني) تأخر لأكثر من بضعة أشهر، إذ على أساس ما نعرفه في هذه المرحلة، لا أحد يعلم مكان اليورانيوم، وليس لدينا أي ثقة حقيقية في أن لدينا القدرة على الحصول هذه المعلومة في أي وقت قريب”.
لكن ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي قلل من فرص نجاح إيران في تحريك اليورانيوم عالي التخصيب، وقال لشبكة سي بي إس: “أشك في أنهم نقلوها، لأنه لا يمكن في الواقع تحريك أي شيء في الوقت الحالي، إذ في اللحظة التي تبدأ فيها شاحنة في القيادة إلى مكان ما، سيراها الإسرائيليون، ويستهدفوها ويدمروها”.
وكان علي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الأعلى الإيراني، قد كتب على صفحته في موقع إكس: “حتى لو تم تدمير المواقع النووية، فإن اللعبة لم تنته بعد فالمواد المخصبة والمعرفة الأصلية والإرادة السياسية تبقى”.
وطورت الهند وباكستان وكوريا الشمالية أسلحتها نووية بالسرّ على الرغم من المراقبة والقيود المشددة من الولايات المتحدة.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين فإن نتنياهو سيصر تالياً على أن تسلم طهران أي كميّات من يورانيوم عالي التخصيب ليتم نقله وتخزينه خارج إيران في حال استئناف المفاوضات الإيرانية مع واشنطن أو مع الترويكا الأوروبيّة لمناقشة برنامج نووي سلمي للجمهورية الإسلامية.
وقال يائير لبيد، زعيم المعارضة في إسرائيل، في حديث له أمس (الثلاثاء) مع لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني – البرلمان -، إن العالم بالفعل “مكان أكثر أماناً مما كان عليه قبل 12 يوماً” مرحباً بأنباء وقف إطلاق النار، لكنه شدد على أنه “يجب ترجمته إلى اتفاق فعال”، بالنظر إلى مخاوف لا تزال تراود تل أبيب من أن إيران تمتلك مواد نووية عالية التخصيب، وقال “ما زلنا نقيّم”.
لندن
2025-06-25