شيعة لبنان بين الاصطفاف العقائدي والمآل الجيوسياسي: قراءة في موقعهم ضمن المشروع الإيراني!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تتصدر إيران منذ أربعة عقود المشهد الإقليمي كلاعب استراتيجي يسعى لإعادة رسم خارطة النفوذ في المشرق العربي، تحت عناوين متعددة، أبرزها “محور المقاومة” و”الدفاع عن المستضعفين”. وفي قلب هذا المشروع، يُبرز “حزب الله” اللبناني كأهم أدوات طهران في الميدان العربي، وكذراع ضارب في مواجهة إسرائيل والغرب، بل حتى في الداخل العربي ذاته. لكن، ومع كل تصعيد إسرائيلي على لبنان، يُطرح السؤال التالي بإلحاح: لماذا لا تتدخل إيران مباشرة لحماية شيعة لبنان، إن كانت حقًا تعتبرهم جزءًا من عمقها الاستراتيجي؟ وهل أصبحوا وقودًا لمعارك لا يملكون مفاتيح قرارها؟
أولًا: الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الحروب بالوكالة
منذ تأسيس “الحرس الثوري” وتشكيل “فيلق القدس”، طوّرت إيران نموذجًا خاصًا في خوض الصراعات الإقليمية عبر الوكلاء المحليين لا عبر تدخلات مباشرة. وهو نموذج يُحقق لها الأهداف بأقل تكلفة ممكنة، دون أن تدخل في مواجهة مفتوحة مع خصوم أقوياء كإسرائيل أو الولايات المتحدة. في هذا السياق، يُمثّل حزب الله أبرز مظاهر “الوكالة”، إذ يدين بالولاء السياسي والعقائدي لولاية الفقيه، ويتلقى الدعم المالي والتسليحي والتقني من طهران بشكل مباشر.
لكن هذا الدعم لم يترجم حتى اللحظة إلى تدخل مباشر من إيران لحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما يُعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل الدفاع عن الشيعة العرب أولوية في العقل الاستراتيجي الإيراني، أم أن هويتهم العربية تُضعف وزنهم داخل الحسابات الإيرانية؟
ثانيًا: العرب الشيعة بين التوظيف العقائدي والتهميش القومي
يتبدى في التجربة اللبنانية أن الانتماء الطائفي وحده لا يكفي لضمان تكافؤ في العلاقات داخل “محور المقاومة”. فرغم التلاحم العقائدي، إلا أن العرب الشيعة، بمن فيهم اللبنانيون، لا يُعاملون كشركاء متكافئين، بل يُوظفون غالبًا في مسرح صراع تقوده إيران وتحتكر قراراته. فبينما تُعلي طهران من شأن البُعد الديني، تتراجع القيم القومية والمصلحة الوطنية لمجتمعاتهم إلى المرتبة الثانية أو الثالثة.
في المقابل، لا نجد لإيران نفس الحماسة في الردّ عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين الشيعة اللبنانيين من القصف الإسرائيلي. فكل ردّ محسوب، وكل تصعيد يُترك لحزب الله كي يختبر عواقبه وحده. وهذا يُثير التساؤل حول مصداقية الشعارات الكبرى التي تُطلقها طهران، وهل هي دفاع عن المذهب، أم توظيف سياسي تحت غطاء مذهبي؟
ثالثًا: الفارق بين القيمة الرمزية والقيمة الاستراتيجية
لا شك أن حزب الله يُمثّل ورقة استراتيجية قوية بيد إيران، لكنه – في الوقت نفسه – ورقة قابلة للاستخدام والتضحية في سياق حسابات أكبر. وهنا الفارق الجوهري بين “القيمة الرمزية” التي يحملها شيعة لبنان بالنسبة لطهران، و”القيمة الاستراتيجية” التي تمنحها لمصالحها القومية والأمنية الخاصة.
وعندما تصطدم المصالح الإيرانية بالتصعيد المباشر مع إسرائيل، فإن الأولوية دائمًا تذهب لحماية الداخل الإيراني، لا لخوض معركة لأجل حليف خارجي مهما بلغ ولاؤه. وبالتالي، تُترك الساحات العربية للاشتعال، بينما تُدار المعارك الكبرى في طهران ببرودة أعصاب حسابية لا تلتفت كثيرًا إلى الخسائر العربية.
رابعًا: من الذي يدفع الثمن؟
النتيجة أن الشيعة العرب – في لبنان وسواه – يدفعون ثمن معركة لا يملكون قراراتها، ولا يشاركون في صياغة أهدافها الكبرى. فهم جزء من منظومة أكبر تتحكم بها دولة ذات مشروع أممي توسعي، تُعيد تعريف الولاء والانتماء على أساس مذهبي مشروط بولاء سياسي مطلق. أما الهوية الوطنية أو المصالح المحلية، فتأتي دومًا في المرتبة الأخيرة.
وهنا تكمن الإشكالية العميقة: هل يُمكن لشعب أن يبني دولة أو يحمي مجتمعًا، وهو يُدار من الخارج ويُستخدم كأداة في مشاريع إقليمية؟ وهل يُمكن لفئة اجتماعية – مهما بلغت تضحياتها – أن تضمن كرامتها وأمنها، وهي تُقدَّم باستمرار كـ”بيادق” في معادلات إقليمية معقّدة؟
خاتمة: نحو وعي بديل للمظلومية
ما يحتاجه شيعة لبنان اليوم ليس فقط صواريخ دفاعية، بل استقلالية سياسية وفكرية تُعيد لهم قرارهم الوطني، وتُحررهم من أسر الاصطفافات الإقليمية. فالتاريخ يُثبت أن من لا يملك زمام قراره، لا يملك زمام مصيره، وأن من يُقاتل في معركة غيره، لا يخرج منها إلا وقودًا أو ضحية.
إن الوفاء الحقيقي لدماء الأبرياء لا يكون بالارتهان، بل بالسعي لبناء مشروع سياسي لبناني مستقل، يُخرج الطائفة من هامش “التبعية”، ويُعيد لها دورها كمكوّن وطني فاعل، لا كمجرّد بندقية على كتف أجندة إقليمية
2025-06-25
