قراءة في كتاب الصهيونية غير اليهودية ( الحلقة – 1)
تأليف ريجينا الشريف، ت، احمد عبد الله عبد العزيز
علي رهيف الربيعي
تؤكد. الكاتبة في هذه الدراسة التي اعتقد – حسب علمي انها الأولى من نوعها، ان جذور الصهيونية تعود الى ثلاثة قرون على الاقل، قبل هرتسل… وان الصهيونية السياسية الهرتسلية لم تأت من فراغ، بل بنيت على أساسات ترسخت في العقل الأوربي ومن ثم الأمريكي فتناولت قناعات الإنسان العادي، وغير اليهودي في البداية… وتتساءل عن سر ظاهرة غريبة .. لماذا كانت بريطانيا ثم أمريكا من وقف وراء الصهيونية واحلامها في فلسطين… ولماذا ازدهر التوجه الصهيوني – في اوساط غير اليهود قبل أن يتعرف اليهود انفسهم على ذلك الفكر التوراتي؟ وعما اذا كان مجرد مصادفة ان ازدهرت الصهيونية وتلقت اكبر دعم لها من الاوساط المسيحية البروتسنتية.
تبين الكاتبة في هذه الدراسة الحافلة بالوثائق والمستندات كيف أن الصهيونية بدأت مسيرتها مع القرن السادس عشر والسابع عشر، بينما الحركة الاستعمارية والتوسع الغربي قد بدأت في نهاية القرن الثامن عشر.. ولذلك يصعب قبول القول ان الصهيونية جاءت وجها اخر للتوسع الغربي وحملات الاحتلال والاستعمار.. ذلك لأنها سبقت تلك الحملات بقرنين من الزمان… وقبل ان يفكر الغرب بايفاد الحملات العسكرية لاخضاع الشعوب ونهب خيرات البلدان المحتلة.
بعيدا عن التشنج السياسي او حتى الوطني، تقول الكاتبة ان الصهيونية غير اليهودية، قد تكونت خلال أربعة قرون من التاريخ السياسي والاجتماعي والفكر ي في أوربا، وعلى أسس دينية في الدرجة الأولى… وبالتالي تكونت تقاليد صهيونية في اوساط غير يهودية، تقوم على مجموعة من التعاليم والاساطير الدينية – التوراتية ، والتي تسربت من خلال حركة الإصلاح البروتستنتي في القرن السادس عشر.
وتسارع الكاتبة لتوضيح انها تستخدم كلمة ” أسطورة” من خلال التعريف الذي حدده ” تالكوت بارسونز” من انه نموذج لمعتقدات سياسية وتاريخية واجتماعية متداخلة فيها مجموعة من المعتقدات الايديولوجية فينقلها المجتمع غريزيا.. وخاصة الأساطير اليهودية كما يراها الدارسون، في انها مجموعة مترابطة من عناصر تاريخية ووطنية ودينية وتشريعية،. تعود في حقيقتها الى ثلاثة عناصر تدور حولها الشخصية اليهودية وهي التوراة والأرض المقدسة او ” ارض الميعاد” ثم مقولة الشعب المختار “.
كما أن الخلاف في” إسرائيل ” يدور طويلا حول تعريف اليهودي وماهية اليهودية، هناك خلاف علمي واساسي في تعريف الصهيونية ومن يكون الصهيوني… فنجد في الحقيقة ان الصهيونية لا تعني اليهودية، بل تعني مجموعة معتقدات دينية وسياسة واجتماعية يمكن أن يندفع غير اليهودي الى تحقيقها… وعن هذه النوعية من الناس يدور مجمل الكتاب ويسميهم ” الصهاينة غير اليهود” – او ” المتصهينين”.
تشير الكاتبة ان الدراسة معدة لتناول تاريخ الصهيونية من منطلاقات اقل تمسكا بالنظرية العرقية، وفيها تبدو الصهيونية اللايهودية – جزءا لا يتجزأ من تاريخ الغرب السياسي والاجتماعي والديني، بحيث يبدو خطأ موازيا ، وليس ملحقا او تابعا، ولا نتيجة – لتاريخ الصهيونية اليهودية.
واختصارا في التعبير، أشير الى الصهيونية غير اليهودية او بين غير اليهود بكلمة ” التصهين” و ” الصهينة”، والصهينة السياسية والاجتماعية ظهرت اولا في المحيط الديني الذي ساعد البلدان الانغلوسكسونية متأثرا بالبروتستنتية ، علما ان الصهيونية اليهودية السياسية لم تتحرك الا في القرنين التاسع عشر والعشرين، فنراها مقترنة بالتوسع الامبريالي والغزو الغربي وظهور اللاسامية بحدة اكثر من السابق.
هذا التاريخ المدعوم بالشواهد يفسر ويوضح قرار الأمم المتحدة رقم ٣٣٧٩ بتاريخ العاشر من تشرين الثاني ١٩٧٥ والذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتميز العنصري… فكان ذلك القرار، المرة الأولى التي ترفض غالبية المنظمة الدولية العرض التقليدي للصهيونية على أنها حركة تحرر وطني للشعب اليهودي…
ولأن الصهيونية تقوم على عنصرية متأصلة، تخضع كل شيء للخصائص العرقية، مثل ممارسة الإرهاب بناء على ما يسمى وحدة العرق والأصول… يمكن القول صراحة ان الصهيونية ليست مجرد ردة فعل يهودية تجاه اللاسامية، أو أنها النقيض لها.. بل هي الرفيق الروحي والحلف الطبيعي والمبرر الاقوى لوجودها، كما أكد هرتسل في مذكراته وفي رسائله المحفوظة إلى عدد من قادة اليهود والدول الأوربية.