تشويه رأي الآخر في سجالنا السياسي!
علي رهيف الربيعي
للعنف أشكال تصل الذروة في لغة السلاح، والقنابل. ولكن العنف لا ينحصر في هذا. ففي السياسة انه يعني حجب الدولة للحريات ويعني استهداف السياسي أو الحزب السياسي ، إلغاء الغير بتدمير سمعته وتلطيخ صورته امام الجمهور، وتضخيم هفوات الخصم والاختلاف عليه. ومثل هذه الممارسات الرائجة عندنا، نجد درجات أخرى منها حتى في المجتمعات الغربية، عندما تتسم الاجواء السياسية وتتلوث، ويتحول الجدل السياسي والمنافسة السياسية النظيفان إلى ترصد، وتربص، واقتناص الخطأ الشخصي، لغرض تصفية الخصم معنويا وسياسيا، ولطمس القضايا الأساسية موضوع الخلاف.
ولذلك يكون هذا الانفلات في أشكال العنف السياسي الذي ينعكس في روح النقاش والجدال، وفي صيغهما، واساليبهما، التي تبلغ غالبا درجات مؤلمة من الاسفاف، وفقدان الاتزان.
ولكن العنف ملاحظ في سجالنا الأدبي والثقافي أيضا، والعنفان مترابطان ففي الحياة الثقافية العربية المعاصرة، تنتشر ظواهر تشويه رأي الآخر ، وتبشيعه، ومحاولة تقزيمه أو اعدامه اصلا ، مع تضخيم الذات ، ومن هم في دائرة الذات.
وكم من مثقفين كبار يجمعون من حولهم الأنصار، والابواق، لتلميع أنفسهم ، وتلطيخ ” المنافسين” وكم من ادعاءات في ساحتنا الأدبية والابداعية على حساب الآخر، وكم من تهم، ومن اوصاف، ومن القاب تصب كلها في هذا المآل، وقد صار الحكم على رواية ما أو قصة ما أو أي عمل ابداعي آخر، ينطلق في احيان كثيرة من الموقف من صاحبه، ايجابا أو سلبا. ولو عاد القارئ إلى أجوبة بعضهم على أسئلة صحافية حول تقييم الأعمال الإبداعية، لوجدناها تبرز الصديق أو الصديقة، وتتجاهل المبدعين الحقيقيين.. واقول ، أن هذه ظاهرة، ولكنها ليست مطلقة، شاملة، فثمة نقاد موضوعيون ومنصفون ولا شك في ذلك..
إن العنف يكاد يكون طبيعة في كل إنسان، ولولا التربية، والثقافة ودور والمؤسسات والقوانين، ومدى رسوخ التقاليد الحضارية والديمقراطية. وكلما مارس الإنسان حقوقه السياسية، وارتقى علما وتربية ، أصبح أكثر قدرة على ضبط نفسه في التعامل مع المشاكل ومع الآخرين. ولقد ذكر بعض الكتاب العراقيين مؤخرا بدور العامل المدرسي والبيتي في صنع ظاهرة العنف السياسي ، اي الأساليب القمعية في التعامل مع التلميذ في المدرسة، ومع الطفل في البيت، والنظرة الدونية إلى المرأة. ويضاف أيضا العنف المجاني في التعامل مع البيئة عموما.
إن الذي تحتاجه حياتنا السياسية وحياتنا الثقافية، سيادة تقاليد وأساليب احترام الآخر، والقبول بانقد، ورفض ادعاء احتكار الحقيقة أو الإبداع ، ورد الحجة بحجة، وترك المطاعن الشخصية والمثالب ” الأخلاقية” لأن قضايا الوطن، وقضايا الثقافة والفكر أكبر من ذلك، وأكثر أهمية.
2026 /07 /14