قراءة اجباريّة: هكذا تحدد لك الإمبراطوريّة موقعك!
سعيد محمد*
في العام 1852، سُأل جون ستيورات ميل عن سرّ النجاح الأسطوري لشركة الهند الشرقيّة، فكانت إجابته لأن الهند (درّة التاج البريطاني ومصدر ثروة الإمبراطوريّة في العهد الفيكتوري) تُحكم بالكتابة، إذ “يتم تسجيل المراسلات والأوامر الصادرة، وكافة التعليمات والإجراءات التنفيذيّة كتابياً، ويتم إرسال النسخ الأصلية بأكملها إلى المركز، حتى لا يكون يكاد هناك عمل واحد يمكن القيام به في الهند (وكانت حينذاك تشكل مجمل جنوبي آسيا قبل تقسيمها) ولا يتم توثيق جميع أسبابه في السّجل. ويبدو لي هذا النظام متفوقاً بشكل ملموس عمّا هو موجود في أي حكومة أخرى تقريباً في العالم”.
تقدّم بريشا موخوبادياي (الأستاذة بجامعة ييل) في كتابها “قراءة إجباريّة*” تاريخاً جديداً – ومستفزاً – للقراءة يركز على أرشيفات الكتابة اليومية من الإمبراطورية البريطانية في جنوبي آسيا، فتنقّب في أدراج المكاتب البيروقراطية، وخزائن ناشري كتب الأبراج، وأرشيفات الحكومة البريطانية، والمراسلات الشخصيّة، وصحف تلك المرحلة عن كيفية استجابة القراء للنصوص المرتبطة بالسلطة – من كتيبات التعليمات الرسميّة للجنود، والالتماسات المقدمة للحكومة، والتقويمات الفلكيّة السنويّة، إلى المجلات النسائيّة الموجهة لسيدات النخبة المحكومة -، وما يمكن أن يخبرنا به هذا عن تجارب عيش الناس المستعمرين – بمن فيهم أولئك الذين قد لا يحسنون القراءة – في ظل قوة إمبريالية غاشمة.
تزعم موخوبادياي بأن هذه المواد الأرشيفيّة التي لا تُأخذ عادة على محمل الجد أداة أمضى في يد المؤرخ لفهم طرائق عمل الإمبراطوريّة من الرّوايات والنصوص الأدبيّة النخبوية – على أهميتها -، وأن إعادة الاعتبار إليها خطوة أولى لتحدي المفاهيم التقليدية لما تعنيه عمليّة القراءة، وتفكيك الصيغ التي شكلت بها تلك السياقات العادية للكتابة الطريقة التي فهم بها الرعايا الاستعماريون مكانهم في الإمبراطورية.
قراء هذه المواد كانوا – في تجربة استعمار الهند – مجموعة من الشخصيات التي تمتد عبر صفوف المجتمع، من الجنود الذين يشعرون بالملل، والبيروقراطيين البريطانيين والمحليين المحبطين، والمزارعين الأميين – الذين صار عليهم مخاطبة السلطات للحصول على تصريح للقيام بما قاموا به قبلها لمئات السنين دون الرجوع لأحد -، إلى نساء الطبقة المخمليّة الملتحقة بالاستعمار، حيث شكل هؤلاء القراء علاقات وثيقة، وحتى حميمة مع نصوص وظيفيّة يومية كانت، بشكل أو آخر، بمثابة ممرات اجباريّة لعلاقاتهم الشخصية بالعالم كما صنعه المستعمرون البيض.
من خلال فحص ساحر للتفاعلات مع الوثائق البيروقراطية والمنشورات الدورية قصيرة العمر تقدم موخوبادياي إعادة تصور لعمليّة القراءة في السياق الاستعماري تتجاوز التأريخ التقليدي لفعل المطالعة – بوصفها اشتباكاً تطوعيّاً مع الأعمال الأدبيّة التي تقرأ للتسلية، والمتعة، وإزجاء أوقات الفراغ -، فتجعل من النصوص الرسميّة والإداريّة ومطبوعات الحكومة مجال التعاطي بين المستعمِرين والمستعمَرين، تضع السلطة من خلاله كلاً في موقعه من التراتبيّة، فيما ينخرط القراء ومستخدمو النصوص في عملية قراءة نشطة ليست سلبيّة بالضرورة، إذ يمكن لهم أن يخضعوا، أو يقاوموا، أو حتى يعيدوا تفسير الخطاب الاستعماري. وهكذا تعثر موخوبادياي على بذور المقاومة في قلب أدوات السلطة.
وفق “قراءة إجباريّة”، فقد توازت مرحلة الحكم بالكتابة في الهند المحتلة مع تقدّم تكنولوجيا الطباعة التي وفرت المواد الورقيّة بتكلفة زهيدة، ما يطرح بالضرورة تساؤلات شديدة المعاصرة حول الصيغ ما بعد الورقيّة التي تطور إليها نظام خطاب الاستعمار الجديد في عهد الإمبراطوريّة الأمريكيّة، وكيف تُعلم واشنطن الخاضعين لها حول العالم بمواقعهم ليلتزموها، وكيف يتعامل معها هؤلاء، إن خضوعاً، أو مقاومة، أو إعادة تفسير، لكن ذلك بحث آخر.
2025-05-19