سماهر الخطيب
سجل للولايات المتحدة الأميركية تفوّقها في اتباع سياسة التجويع عبر اعتمادها على مبدأ الحصار الاقتصادي وصولاً إلى ضغط الشعوب وإثارتها ضدّ حكامها وأنظمتها، وليس من مثال أدلّ على تلك السياسة أفضل من انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1989، في المقابل يجدون تلك الدول الرأسمالية تنعم بالرخاء والإزدهار، وهذا ما كانت عليه لبّ السياسة الأميركية، فمن جهة اتبعت مبدأ مارشال وهو المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومن جهة الضغط على الدول الاشتراكية في ما بعد والتي اختارت القطب الاشتراكي عبر تطبيقها لسياسة الإحتواء وتقديم الدعم المالي والاقتصادي لكلّ من يخرج عن هذا الركب..
ولم تتوقف هذه الاستراتيجية مع انهيار الاتحاد السوفياتي التي كانت أحد أهمّ أسباب انهياره، إنما وتبعاً لنجاحها قامت أميركا بتطبيقها مرات أخرى مع دول عدّة وفي بؤر صراع متعددة، فنجد الولايات المتحدة قد انتقلت بعد ما سمّي بـ»الربيع العربي» من سياسة إثارة الصراعات بين الدول إلى إثارة النزاعات في الدولة الواحدة بين المعارضة والسلطة الحاكمة.
وبالتالي خلقت اختلالاً في توازن القوى داخل الدولة الواحدة فطوّرت استراتيجيتها لتصبح استراتيجية احتواء مزدوج مركب بمعنى عملية داخل عملية وذلك بحسب بيئة كلّ بلد فتكون عملية احتواء مزدوج بين القوّتين الرئيستين في قوى النظام الجديد داخل عملية الاحتواء المزدوج لقوى النظام الجديد وقوى النظام القديم.
فقد نرى صراعات بين الإخوان والسلفيين من جهة، داخل صراع بين إسلاميين وليبراليين، وصراع داخل التيار نفسه بين صقور وحمائم، أو بين محافظين وإصلاحيين، وكذلك صراع ليبرالي ليبرالي ضمن صراع بين قوى الأنظمة الجديدة وقوى الأنظمة السابقة، بعد أن غيّرت جلدها، وهذا ما فعلته أميركا في العراق بين قوى المجتمع العراقي، وبهذا يصبح المجتمع مقسّماً إلى عدة قوى قد يتراوح عددها ما بين 5 إلى 10 قوى وعلى رأس كلّ قوة قيادة تسعى للوصول إلى الحكم، ولكن عدد هذه القوى لا يسمح بانفراد أحدها بالحكم، وبالتالي فإنها تسعى الى التنسيق في ما بينها أو التوافق أو تسعى كلّ منها إلى الحصول على دعم خارجي إما بالمال او بالإعلام أو بأشكال أخرى من الدعم للانتصار على القوى الأخرى في الداخل.
وبمرور الوقت يصبح بعض القوى رهائن لدى أطراف خارجية، سواء كانت قوى استعمارية مباشرة أو عبر ثالث، وتصبح كلّ قوة تتهم القوة الأخرى بأنها تتلقى دعم خارجي أنها عميلة للقوة الاستعمارية إما مباشرة أو عبر طرف ثالث، وهذه الاتهامات مستندة إلى تصريحات لمسؤول دولة ما، أو أخبار منشورة في الوكالات الإخبارية، وهذه التصريحات والتسريبات مقصودة من القوة الاستعمارية لغرض إشعال الصراع، وهو ضرورة لتنفيذ الاحتواء المزدوج وتتمّ هذه التسريبات والتصريحات في أوقات معينة لإعادة التوازن بين القوى السياسية حتى لا تسيطر قوة واحدة على البلد أو تختفي قوة من المشهد السياسي وتستنزف طاقات وقدرات البلاد في هذا الصراع.
وبذلك يتضح لدينا خارطة الدعم لجميع الأطراف المتصارعة وكيف تصل لها بالتساوي سواء أكان بالدعم المباشر أو بالإشراف أو عبر وسيط أو بتركه يمرّ دون منع مع القدرة على منعه، وهذه الخارطة المعقدة من شرايين الدعم هي التي أوصلتنا لهذه الحدود الجغرافية للقوى المتصارعة على الأرض، والتي تظنّ أنها تعمل في ممرات تقاطع المصالح مع الدول الكبرى، بالوقت التي تدخل هذه القوى في نفق حروب الوكالة والأدوار الوظيفية من حيث تدري أو لا تدري وهي مرهونة لحركة المحور الكبير الذي تلتحق به.
إن قتل الدول اقتصادياً من خلال العقوبات الاقتصادية والحصار وإخضاعها بعد الإفلاس لسياسات الصندوق الدولي والنيوليبرالية الجديدة هو طريق ذو نفس طويل لكنه أقلّ تكلفة من الحرب مثلما حدث في العراق بعد فشل سنوات الحصار..
ورغم أنّ سياسة التدمير الاقتصادي كانت هدفاً أميركياً فإنها في نفس السياق تريد إعادة هندسة الأنظمة سياسياً واقتصادياً.. إذاً لقد حان الوقت لتغيير النظام وإخضاع موردين النفط في العالم إلى سياسات صندوق النقد الدولي..
خلاصة القول إنّ قتل الدول اقتصادياً من خلال العقوبات الاقتصادية والحصار وإخضاعها بعد الإفلاس لسياسات الصندوق الدولي والنيوليبرالية الجديدة هو طريق ذو نفس طويل لكنه أقلّ تكلفة من الحرب مثلما حدث في العراق بعد فشل سنوات الحصار، وتهدف هذه السياسة أساساً لإعادة هندسة أنظمة الحكم وفق الرؤية والمصلحة الأميركية، وليس وفق معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا مبرّر آخر للتناقض الأميركي الغربي في التعامل مع أسس الديمقراطية العالمية وحقوق الإنسان التي تختلف من دولة لدولة، والشرق الأوسط بعد «الربيع العربي» أكبر دليل..
#سماهر_الخطيب
2021-12-08