تناقضات العقل الحداثوي!
سلام علي جبر
حين نتأمل في الخطاب السائد لبعض منظري الحداثة والفكر المعاصر، نصطدم بتناقض فكري ومبدئي عميق يثير التساؤل والدهشة. فهؤلاء الذين يدعون جاهدين إلى ضرورة مغادرة الأفكار الدينية لاسيما الاهتمام بالتراث الديني ورجالاته ، ويتطاولون على الرموز الكبيرة وقادة الإصلاح الأوائل بحجة أنهم شخصيات مضى على وفاتهم أكثر من أربعة عشر قرناً، ويطالبون بالاستغناء التام عما ورثناه والاكتفاء بالعلوم التجريبية والفلسفات المعاصرة، نجدهم في المقابل يلهثون وراء التراث الإغريقي والروماني القديم، فيقدسون منطق أرسطو، ويستحضرون أفكار أفلاطون في جمهوريته المثالية التي بقيت حبراً على ورق، ويستشهدون بحكمة سقراط وفلاسفة الوثنية وكأنها نصوص مقدسة لا تقبل النقاش، متجاهلين تماماً أن أولئك الفلاسفة والرموز الإغريق والرومان قد عاشوا في ظروف غاب فيها النور الإنساني السوي، وغرقت مجتمعاتهم في العبودية والطبقية والاستبداد، فضلاً عن غياب المعرفة الدقيقة بسلوكهم الشخصي وحياتهم الخاصة ومعاملاتهم الحقيقية مع الآخرين.
والأدهى من ذلك أن هذا الانبهار بالغرب لا يتوقف عند حدود الإغريق، بل يتمدد ليشمل الفلاسفة المعاصرين الذين يعاني أغلبهم من أزمة روحية وفكرية خانقة، فتجد أفكارهم متأرجحة بين النظرة البراغماتية النفعية المجردة، والتشاؤمية السوداوية التي تعيث فساداً في معنى الأمل الإنساني، أو الفوقية النيتشوية المتعجرفة التي تحتقر الإنسان الضعيف وتمجد القوة المطلقة، ومع ذلك يتم التعامل مع طروحاتهم بحفاء مبالغ فيه على حساب الهوية والذات. وفي المقابل، يمارس هؤلاء المنظرون سخرية لا مهنية واستخفافاً متعمداً بمفكرين وعظماء بحجم أئمة أهل البيت عليهم السلام، متناسين عن عمد أو جهل أن هؤلاء الأعلام لم تكن أفكارهم مجرد تنظيرات جافة في بروج عاجية، بل تجسدت واقعاً حياً وممارسة يومية ناطقة بالعدل والرحمة والنبل والزهد. لقد كانت سيرتهم الذاتية العطرة وتضحياتهم الجسام من أجل المجتمع وإصلاح شؤون الناس الوجه الآخر الناطق لعظمتهم الفكرية، حيث توحد القول والفعل في أروع صور التكامل الإنساني، فتركوا تراثاً فكرياً وأخلاقياً وروحياً لا يترسخ إلا ليزيد الإنسانية رفعة وطمأنينة. إن الإنصاف يقتضي منا ألا نرفض المنهج العقلي الحديث جملة وتفصيلاً، وألا نقدس التراث لمجرد التقادم، لكن الكيل بمكيالين والازدواجية في تقييم الرموز والتاريخ البشري يفضحان هشاشة الادعاءات الحداثية المتطرفة، ويثبتان أن الحق والعدل والجمال الإنساني لا يشترط فيها العصرنة بقدر ما يشترط فيها صدق المنهج وطهارة السيرة وسمو الغاية.
2026-10-13