ترامب يبرم صفقة ديزل مع موسكو ويريد رئيساً جديداً لأوكرانيا
أعلن الرئيس الأمريكي اتفاقاً مع نظيره الروسي لاستيراد الديزل الروسي، في خطوة أثارت ردود فعل أوكرانية وأوروبية حادة، رد عليها ترامب بدعوة صريحة إلى تغيير القيادة في كييف
سعيد محمد*
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لاستيراد الديزل الروسي إلى السوق الأمريكية موجة انتقادات من أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين، كما في أوساط صقور الحزب الجمهوري المناهضين لروسيا. وتزامن الإعلان مع رفع وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات عن صادرات الديزل الروسية بموجب ترخيص عام سارٍ حتى أبريل/نيسان 2027، بعد ساعات من اتصال هاتفي بين بوتين وترامب وصفه الأخير بأنه “ناجح للغاية”.
وقال ترامب على منصته “تروث سوشيال” إن بوتين وافق على توريد أكثر من 300 ألف طن من الديزل فوراً إلى السوقين الأمريكية والعالمية، و500 ألف طن إضافية خلال نوفمبر، ومليون طن بعد ذلك، مع إمكانية بلوغ 3 ملايين طن شهرياً لاحقاً في خطوة وصفها بأنها ضرورية لخفض أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية. وأكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك هذه الأرقام في تصريح لوكالة تاس، مشيراً إلى أن روسيا مستعدة لتصدير 300 ألف طن في أكتوبر، ورفعها إلى 500 ألف طن في نوفمبر، ومليون طن في ديسمبر.
على أن هذه الكميات تمثل نسبة ضئيلة من الطلب العالمي على الديزل الذي يبلغ نحو 30 مليون برميل يومياً، إذ تعادل الكميات الإضافية نحو 72 ألف برميل يومياً في أكتوبر، وترتفع إلى نحو 124 ألف برميل في نوفمبر، ثم تتراوح بين 240 ألفاً و720 ألف برميل في الأشهر التالية، وهي أرقام تقل كثيراً عن نحو 800 ألف برميل يومياً كانت روسيا تصدّرها في الربع الأخير من 2025، ما يرجّح أن يكون انعكاس الصفقة على الأسعار محدوداً.
ويشكك خبراء حتى في قدرة روسيا على الوفاء بالكميات المعلنة في ظل تعطل مصافيها. وقال إدوارد فيشمان من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إن “سبب فرض روسيا حظر التصدير هو أن الضربات الأوكرانية أضعفت إنتاجها من التكرير، ما استدعى تقنين الوقود للاستهلاك المحلي”، واصفاً وعود بوتين بأنها “وعود فارغة تهدف إلى زرع مزيد من الانقسامات في التحالف عبر الأطلسي”.
وقد سارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الإعراب عن غضبه من الصفقة، واصفاً إياها ب”قرار ضعيف من شركاء أقوياء” و”غير عادل ولا صادق”، و”يصب في مصلحة روسيا، ويمنحها فرصة لقتل مزيد من الناس، وإطالة أمد الحرب، وتقليل احترامها لأمريكا، وإلحاق خسائر أكبر بالعالم”. وجاءت تصريحات زيلينسكي بينما كانت مشاورات أوكرانية-أمريكية-أوروبية تجري في ميامي بالولايات المتحدة بشأن تسوية محتملة للحرب، ما دفعه لاتهام ترامب باستخدام فريقه التفاوضي “كستار من دخان” للتغطية على الصفقة التي أبرمها مع روسيا. ووصف زيلينسكي الهجوم الروسيّ الذي شن بخمس قنابل موجهة على منطقة سكنية في مدينة زابوريجيا، وأسفر عن مقتل 20 شخصاً على الأقل بينهم ثلاثة أطفال ب”رد روسيا بالشكر على رفع العقوبات عن صادرات الديزل”. وكتب على صفحته بمنصة إكس: “إن موسكو تفهم أي تخفيف للضغط على أنه ضوء أخضر لمواصلة القتال وقصف المدن”، داعياً الحلفاء إلى إرسال “إشارات مختلفة”.
وقد ردّ ترامب على انتقادات زيلينسكي بالقول للصحفيين في البيت الأبيض إن أوكرانيا يجب أن تحصل على “رئيس جديد” يمكنه إبرام اتفاق مع روسيا، وإن الرئيس الأوكراني الحالي “كان قادراً على تسوية هذه الحرب مرات كثيرة، لكنه دائماً اختار طريقاً آخر”. واتهم الرئيس الأمريكي كييف بإثارة “أزمة عالمية” عبر مهاجمة مصافي التكرير الروسية، وقال إن واشنطن أبلغت الأوكرانيين: “يمكنكم فعل ما تريدون بروسيا، لكن دعوا المصافي، لأن استهدافها يخلق مصاعب عالمية”، مشيراً إلى أن هذه الهجمات الأوكرانية ترفع أسعار الديزل وتضر بالمزارعين ومربي المواشي في الولايات المتحدة، في وقت تورد فيه روسيا حصة كبيرة من الديزل إلى الأسواق العالمية.
وفي أعقاب ذلك، خرج وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيه ليدافع عن زيلينسكي، مؤكداً أنه “يقود الأمة في زمن الحرب، حرب الاستقلال والحرية والكرامة”، وأنه “يحظى بدعم الشعب الأوكراني، وأن الأوكرانيين وحدهم يملكون حق اختيار قيادتهم”. وأضاف أن “التصريحات الصادرة من الخارج تؤكد فقط أنه يؤدي عمله على نحو جيد، وأنه يستحق الدعم”.
من جهتها، أعلنت لندن على لسان وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ أن المملكة المتحدة “لا تدعم” صفقة ديزل ترامب-بوتين، مشيراً إلى أنها أُبرمت في سياق استحقاق انتخابي أمريكي وضغوط عالمية لخفض تكاليف المعيشة. وقال في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية إن على واشنطن وحلفائها “التركيز على زيادة الضغط على روسيا لتقصير أمد الحرب وتأمين حرية أوكرانيا”، مضيفاً أن كييف “محظوظة بوجود شخص بمواصفات زيلينسكي من حيث الكفاءة والشجاعة والنزاهة يقود جهودها الحربي”، وأن مسؤولية الحرب “تقع بالكليّة على الرئيس بوتين وطموحاته الإمبريالية”. ولاحظ ستريتينغ تكرر الخلاف العلني بين واشنطن وكييف، وأن دور لندن يتمثل في “محاولة إعادة اللُّحمة بين الأصدقاء”. كما نقلت صحف لندن عن أندرو غريفيث، وزير الظل للمالية في حزب المحافظين المعارض، إن ترامب “مخطئ” في دعوته إلى تغيير القيادة الأوكرانية، وإن الصفقة “ترسل إشارات خاطئة تماماً”، مضيفاً: “إذا أردت عالماً مسالماً، فعليك تمويل الدفاع على نحو صحيح والاستعداد للحرب”.
وانتقدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس الصفقة بشدّة، وقالت إنها أتت في وقت صعّدت موسكو هجماتها الهجينة ضد دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وكتبت إن الضربات الروسية أودت بحياة أكثر من 80 مدنياً أوكرانياً في يومين، فيما “تعليق العقوبات على الديزل الروسي يمنح موسكو إيرادات إضافية للاستمرار بالحرب”.
وأكدت كالاس أن “هذا وقت مواصلة الضغط على روسيا، وأوروبا ماضية في ذلك”، مشيرة إلى أن وزراء خارجية الاتحاد يعتزمون إضافة نحو 1600 فرد وكيان إلى قائمة العقوبات الأوروبية على موسكو (اليوم الإثنين).
ومن بروكسيل، دعت المفوضية الأوروبية إلى هدنة تحمي البنية التحتية للغذاء والطاقة في أوكرانيا وروسيا، مؤكدة أن أوروبا “تدرك جيداً التكاليف الخفية للاعتماد المفرط على الهيدروكربونات الروسية، وأنها تريد تجنّب تغذية المجهود الحربي الروسي”. وفي باريس، ظل الموقف مندرجاً في الإطار الأوروبي الموحد الذي عبّرت عنه كالاس، على قاعدة ربط أي تخفيف للعقوبات بإنهاء الحرب.
وفي برلين، أكبر ممولي نظام كييف، قال المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفان كورنيليوس إن بلاده “أحيطت علماً بالقرار الأمريكي المتعلق بتوريد الديزل الروسي، وتبقى ملتزمة بقرارات العقوبات ضد روسيا، وتعمل مع شركائها الأوروبيين على فرض عقوبات إضافية”. وشدد على أن “دعم ألمانيا لأوكرانيا في كفاحها للدفاع عن نفسها يبقى ثابتاً، والجهود الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي مستمرة”. وأكد متحدث باسم وزارة الشؤون الاقتصادية الألمانية أن “ألمانيا تقف بالكامل خلف حزم العقوبات”، وأن إمداداتها من المحروقات “متنوعة المصادر، ولن تكون محتاجة إلى النفط الروسي”. وكان المستشار فريدريش ميرتس قد زار كييف الأسبوع الماضي للتأكيد على الدعم الألماني الثابت.
هذا، وواجهت الصفقة اعتراضات من داخل الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة، إذ قال النائب دون بيكون من نبراسكا إنها “خطأ جسيم”، مضيفاً أن “الناس يدركون أن العقوبات على روسيا مستحقّة عندما تغزو دولة وتقصف المدن ليلاً”، وأن اتفاق ترامب مع الزعيم الروسي “يبدو يائساً”. وفي ميشيغان، قال المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز إنه “لا يريد إعطاء بوتين أي تنازل”، بينما قال متحدث باسم السيناتور دان سوليفان من ألاسكا إن “السيطرة الأمريكية على الطاقة هي الحل لارتفاع الأسعار، وهذا يعني إنتاج المزيد في ألاسكا، للأمريكيين ومن قبل أمريكيين، بدلاً من الاستيراد من روسيا”. وعلى الجانب الديمقراطي، كتب زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن ترامب أبرم “صفقة مع الشيطان” لمحاولة إنقاذ حظوظه السياسية المتعثرة، بينما وصفت السيناتور إليزابيث وارن وجين شاهين القرار بأنه “خيانة كاملة لأوكرانيا وحلفائنا الأوروبيين والأمن القومي الأمريكي”. وأعلن النائب الجمهوري برايان فيتزباتريك، الرئيس المشارك لتجمع أوكرانيا في مجلس النواب، عزمه تقديم مشروع قانون ثنائي الحزبين لعرقلة أي مشتريات من النفط الروسي، معتبراً أن “روسيا غزت أوكرانيا على نحو غير مشروع، وأنها المسؤولة المباشرة عمّا يترتب على ذلك”.
وأتت الصفقة في ظل ارتفاع قياسي في أسعار الديزل الأمريكية التي بلغت 6.28 دولار للغالون مع نهاية الأسبوع الماضي، مقابل 3.68 دولار قبل عام، وسط أزمة إمدادات ناجمة عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى الضربات الأوكرانية التي عطّلت نحو نصف قدرات التكرير الروسية. ويرى محللون أن الصفقة التي أبرمت قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات النصفية، تستهدف تخفيف الضغط السياسي عن الجمهوريين في ولايات زراعية مثل آيوا وكانساس ونبراسكا، حيث يعتمد المزارعون على الديزل بشكل واسع. ويترقب الخبراء افتتاح الأسواق اليوم لتقييم إذا ما كانت الصفقة ستؤدي إلى خفض ملموس ومستدام في أسعار الديزل، أم ستظل إجراءً رمزياً يخدم أهدافاً انتخابية آنية، بينما تتسع الفجوة بين واشنطن وكييف وحلفائها الأوروبيين.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-10-13