إنهم يَكذِبون والسُذّج يُصَدّقون!
د.وسام جواد
في شباط 2009 أُعلِنَ عن “إنسحاب” قوات الإحتلال الأمريكية من العراق، التزاماً بالاتفاقية الأمنية التي نصت على انسحاب هذه القوات من المدن والبلدات العراقية بحلول 30 حزيران 2009، ومن البلاد في نهاية 2011 .
وقت ذاك، كنت في زيارة قصيرة لبيروت، شاركت أثنائها في ندوة، كذّبتُ فيها خبر الإنسحاب بعد أن تحدث ضيفا الندوة ( استاذ جامعي وآخر عضو برلمان من العراق) عن انهما شاهدا الدبابات والمدرعات الأمريكية وهي تغادر، وأن لا وجود لأفراد الجيش الأمريكي في الشوارع، كما كان في السابق، فإعترضت على ذلك قائلا: ليس صعبا على الجنود والضباط تغيير ملابسهم العسكرية وارتداء المدنية، والبقاء في العراق تحت غطاء الشركات، والبعثات، والخبراء، وغيرها من أساليب الخداع، التي يتبعها الاحتلال بالإتفاق مع الحكومة، الموالية له .
لم تنسحب قوات الإحتلال الأمريكي من فيتنام بمحض ارادتها، بل بارادة المقاومة الوطنية الفيتنامية، التي طردتها من البلاد شر طردة، وهو ما حصل في لبنان أيضا، حين الحقت المقاومة المقاومة الوطنية اللبنانية بقوات المارينيز والقوات الفرنسية خسائر فادحة، اضطرتها الى الهرب. كما تكرر الحدث في افغانستان، حيث كانت الهزيمة المنكرة من نصيب قوات الإحتلال الأمريكية ، التي أضطرت الى الهرب السريع من البلاد، مخلفة وراءها الكثير من السلاح والمعدات العسكرية .
أما في العراق، فبفعل الفرقة بين القوى السياسية والدينية، وتخاذل بعض قياداتها، تمكنت القوات الغازية من البقاء 23 عاما، دمرت خلالها البنى التحتية، وقتلت، واعتقلت، وعذبت، وسرقت، ولما حققت ما خططت، عن الإنسحاب أعلنت.
واقع حال قوات الإحتلال بعد أكثر من عقدين :
-لم تتعرض هذه القوات الى ما يكفي من الضربات لإجبارها على الهرب، لا الى الانسحاب. فقد أدان مؤيدو الاحتلال، اللجوء الى المقاومة منذ البداية، واعتبروها “إرهابا”، ونزعوا عنها صفة الوطنية، والبسوها ثوب الطائفية، ووصلت الأمور ببعض القيادات الحزبية الى حد اعتبار” أمريكا أمر حتمي في العراق”، والقول ” لن نسمح باستهداف المصالح الأمركية في العراق.” وقد صدق من قال: إذا كان ربُّ البيت بالدَفِ ضاربا، فشيمةُ أهل البيتِ كلهم الرقصُ.
-ولم تُسمع الأصوات المطالبة بالتعويض عن القتل والخراب، والدمار، وتقديم الإعتذار للشعب العراقي عن همجية وبشاعة الجرائم، التي ارتكبها ضباط وجنود الجيش الأمريكي خلال سنوات الإحتلال. وبدلا من ذلك، بُذِلت الجهود لطمس هذه المطالب من قبل الحكومات المتعاقبة على أساس أن الجرائم المرتكبة لم تكن سوى “أخطاء” وأن الجنود الأمريكان “ضيوف وأصدقاء” وليسو بأعداء .
– لقد حصل لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، ما حصل للقوات الألمانية في غرب اوكرانيا، عندما استقبلها الأهالي بالترحاب والورود، ظنا بأن القوات النازية ستضمن لهم الاستقلال والتخلص من الارتباط بالإتحاد السوفيتي، لكنهم فهموا بعد فترة، خطأ الإعتقاد والإعتماد على النازيين، الذين رفضوا فكرة الاستقلال وإنشاء الدولة الإوكرانية ، التي أراد تأسيسها الانفصاليون . وحصل ما يشبه ذلك في جنوب لبنان، حين استُقبِلت القوات الإسرائيلية في الأيام الأولى للاجتياح من قبل الأهالي بنثر الأرز والورود والزغاريد، أملا في التخلص من “هيمنة” منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء النفوذ السوري . وسرعان ما خابت هذه الآمال ، وتبددت التصورات بعد حصار بيروت، وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، التي فرضت تشكيل فصائل المقاومة الوطنية، فكانت حركة أمل، وجمول وحزب الله ، بهدف طرد الإحتلال.
فهل لعاقل تصديق إدعاء أمريكا بعد كل الذي ارتكبته قواتها من جرائم، بأنها جاءت من أجل “تحرير” العراق، وليس من أجل البترول وتوسيع الهيمنة في المنطقة ؟.
– أتاح تأخر الإنسحاب الأمريكي من نهاية 2011 الى نهاية 2026، الفرصة المناسبة، لإعداد وتوقيع الصفقات المشبوهة، والمُقيِدة استقلال العراق بسلاسل التبعية الظالمة، وتَحَمُّل آثارها الصادمة، لسنواتٍ وعقود قادمة، في ظل حكومة مسلوبة الارادة، تدعي الاستقلال والسيادة، في وقت، استحوذ فيه الإحتلال على الثروات النفطية في شمال العراق وجنوبه، وباشر التحكم بعائداتها، والحيلولة دون التصرف بها وفقا لحاجات ومصالح العراق الوطنية .
لا يعني إنسحاب الإحتلال الأمريكي من العراق، خروجه فاضي اليدين، فهو من يحكم اليوم، قولا وفعلا، وهو من يتحكم بالقرارات السياسية والإقتصادية، وما على حكومة الإحتلال، كسابقاتها منذ 2003 سوى الإذعان لما يُملي عليها الأمريكان .
تغيَّر الشكل والمظهر، وبقي المضمون والجوهر.
2026-10-13