في ذكرى رحيل وليد جمعة…!
أحمد الناصري.
مات وليد جمعة…
مات وليد جمعة الشاعر والصحافي الصاخب والصامت والفتى المشاكس و(المزعج) النقدي الطيب المباشر الصريح اللاذع والجريء (كتب قصيدة ضد الفاشية وكان كاتم الصوت يلامس صدغه!).
كان يكره المرتزقة وضعاف النفوس ويسخر منهم بعنف علني منقطع النظير…
لقد مات وليد جمعة أيضاً وفي منفاه أيضاً…
في سنة ما، كتبت منشوراً محدود التوزيع عن مشكلة داخلية خطيرة، فجاء وليد يبحث عني والتقينا وتعارفنا، وابقيت معه مسافة تحاشياً من هيجانه وهجائه الذي لا ينجو منه أحداً. كنت أزوره في غرفة رطبة، سببت له داء السل، كي نوصل له مساعدات، يقدمها صديق له بشكل منتظم لكن سري…
لقد مات وليد جمعة أيضاً وفي منفاه أيضاً… استريح عزيزي وليد من المعارك، فالمعركة أصبحت سخيفة وجسدك الذاوي المنهك لا يقوى على شئ… سلام…
كالطريدة.. الى عادل وصفي
وليـد جمعة….
بيروت ٢٠/٦/١٩٧٩
قافز من خندقٍ، ملتجيء للملجأ العشرين، مذعوراً من الشبهةِ، لم يرسم مسار الطلقة المسعور، لم يتعب من الحقدِ علي الفاشست، لم يكتب قصيدة.
كالطريدة..
يتهاوى برصاصِ “البعثِ” في منعطف الشارع ، ما كان لهُ العمر الذي يسمحُ بالأوهام ــ قد كانت لهُ ثمّة أحلام عن الآتي ــ ولم يلقَ النهايات السعيدة.
كالطريدة..
قبضَ الجلادُ روحاً عذبةَ النبضِ ووَجهاً دائم البسمةِ كالطفل.. وأهدى فرحة الطغاةِ يتماً والمشاوير أذى، أعطى الفلسطيني “عز الدين” ثان، ثُمَّ أعطى نخل البصرة في الصبحِ شهيده
كالطريدة..
ينتهي “عادل وصفي” ميِّتاً في أسرِ بيروت التي كان لهُ فيها اسمهُ الحزبي
دعواهُ مع العالم والناس.. دعواهُ عن الدنيا الجديدة
ثُمَّ مــاذا؟
ثُمَّ مــاذا؟
ما الذي أكتبهُ عن موتِ “عــادل”؟
ما الذي يجمعنا في موتِ “عادل”؟
ما الذي أبقى لنا “عـادل” مِن آثارِ “عادل”؟
: زوجتهُ تبكي
: ابنة تلعب في السهو
: أخا زوجه في الأحد الماضي
: عراقاً لن يراهُ أبدا
: بعض نداءاتٍ الى الثورة
: صمتاً في القياداتِ التي ” تأسفُ ” للحادث
: عذاب الأهلِ والأصحاب
مــاذا..
ثُمَّ مــاذا؟
عن موتٍ ما.. لا يكون الموتُ موتاً عابراً ما دامَ هذا القاتلُ الواضحُ كاللؤمِ هنا ما بيننا
ما دامت الثورة لم تأتِ.. وما دامَ سكوت الكونِ “رسمياً”
وما دامت له الزوجة والطفلة والأخت البعيدة
كالطريدة..
كان قد جَرَّ خيبات السنين وانتهى اللاجيء ما بين خيام اللاجئين
ولأن السلطةَ المسعورةَ الأسنانِ نذلة ولأنَّ البعث ــ أعني دولة البعثِ التي تقتلُ من بغدادَ
لا يعرفُ حداً فاصلاً ما بينَ قناصٍ وطفلة
ولأنَّ الظرفَ “يستدعي” السكوت
فدعوا “عــادل” في صمتٍ يموت. …
