عن العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الأجنبي !
علي رهيف الربيعي .
في عام 2003 ، الذي شهد غزو العراق واحتلاله ، التحقت أغلب القوا الرئيسية للمعارضة العراقية بالغازي الأجنبي ( ” المجلس الأعلى للثورة الاسلامية ” ، الحزبان الكرديان الرئيسان بزعامة البرزاني والطالباني ) مساهمة في جهدة الحربي أثناء الغزو ، فيما شاركت ب ” مجلس الحكم ” الذي أنشأه بول بريمر بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال ( حزب الدعوة ، الحزب الاسلامي ” الفرع الاخواني العراقي ” ، الحزب الشيوعي ) .
هل العملاء أشخاص مصابون بالانحراف السيكولوجي مما يدفعهم الى اتيان أفعال غير سوية وغير طبيعية بمعيار القيم العامة الجماعية ؟ هل يجدون في ممارسة تلك الأدوار تعويضا عن نقص يستبد بهم الشعور به ؟ هل يمارسون من طريقها انتقاما من الجماعة ( الوطن ) التي يحملونها مسؤولية دونيتهم التي يشعرون بها ؟ .
قد يكون الأمر كذلك ، أو قد يكون شيئ من ذلك يفسر الظاهرة . لكنه – في أفضل أحوال افتراضه – يفسرها جزئيا ، فالذين ” في قلوبهم مرض ” كثر في المجتمعات البشرية ، لكنهم ليسوا جميعا عملاء ، ولا تذهب بهم أحقادهم والضغائن الى موالاة العدو والاساءة الى حرمة الوطن والأهل . ثم لماذا نقطع بأن من يأتي فعل العمالة مريض بالضرورة ؟ هل ” الأسوياء ” نفسيا وطنيون حكما ، أو على الأقل : أليس في جملتهم من يمكن ان يكون عميلا أو لديه القابلية – الواعية والارادية – لكي يكون كذلك ؟ .
لا مفر من وضع التحليل السيكولوجي للظاهرة في نطاق حدوده الاجرائية المتواضعة والبحث عن أدوات وفرضيات أخرى .
ربما كان التفسير الاجتماعي – الاقتصادي للظاهرة مغريا لكثيرين . وقد يكون الباعث عليه ملاحظة الصلة بين العميل والجهة التي توظفه : المال . وربما أوحت تلك الصلة بالاعتقاد أن أوضاع الفقر والتهميش الاجتماعي والرغبة في الترقي الاجتماعي دوافع تدفع بعض الناس الى سلوك درب التعاون مع الأجنبي وتقديم السخرة الأمنية له ، مقابل سد حاجة أو تحصيل منفعة . ومع أن بعض ذلك ليس مستبعدا ، فهو لا يفسر الظاهرة كلا ان كان له أن يفسرها جزءا . وبيان ذلك أن الفقر والتهميش مما يمكن أن يكون في جملة العوامل التحتية التي تدفع الناس الى خيار الالتزام الوطني والاجتماعي والثوري ، ناهيك بأن الفقراء كثر ، بل هم الاكثر في المجتمعات ، والعملاء قليلون جدا بحساب أعداد السكان . والى ذلك فإن التجارب وسوابق تطلعنا على حقيقة أن الكثير ممن ركبوا مركب العمالة والتعاون مع العدو كانوا في عداد ميسوري الحال ، بل أكثرهم كان من هذه البيئات الاجتماعية التي لا تضغط على حياتها مطالب العيش ، من دون ان يعني هذا أي نوع من التلازم المعاكس بين العنف والعمالة .
ولا مرية في أن الأجنبي يطالب العملاء من الطبقات والمراتب الاجتماعية كافة : من سائق سيارة الأجرة وبواب العمارة وموظف مصلحة الهاتف حتى رجل الأعمال وضابط الاستخبارات ومدير البنك ، هم جميعا هدف يسعى اليه ، وأسعارهم تتفاوت تبعا لنوع الخدمة التي يسدونها ومستواها . وهو – الى ذلك – يعرف كيف يستثمر في حاجة كل واحد منهم : في حاجة الفقير منهم الى سد الأود ، وحاجة الفني الى المزيد .. الخ . انه – باختصار – لا يقف عند حدود التقدير الافتراضي لقابلية الفقر والتهميش لتوليد جمهور للعمالة بالقوة تكفي الصلة به وتجنيده ليصبح عميلا بالفعل .
يعاني العملاء ، والمتعاونون مع الاحتلال ، من نقص حاد في القيم : الاجتماعية والوطنية . لا يمثل الوطن – بما هو كيان وأهل وكرامة ومصالح عمومية – قيمة في وجداناتهم ، ولا تحتل الأخلاق الجماعية موقعا في أفعالهم . معاييرهم مختلفة ، وقيمهم متباينة ، وأغراضهم الخاصة أولى من المصلحة العامة . لا عجب ان ارتضى أي منهم أن يبيع الأهل والوطن للعدو مقابل تحصيل منفعة رخيصة . قد يكون العميل الصغير مدفوعا من جهة سياسية داخلية محترفة للعمالة الأكبر ، وقد يمارس عمالته بوصفها واجبا سياسيا . لكنه لا يغير بذلك حقيقة أنه عميل وان حسب الأمر غير ذلك . واذا كان العميل ، عموما يدرك أن فعله منبوذ ومحتقر من الناس وممنوع قانونا فيمارسه متسترا خشية النبذ والعقاب ، فإن أخطر أنواع العمالة ما يقع الجهر به من دون خشية تبعة أو احتساب . ولقد يكون الجهر مباشرا في حالات ، وإن تكن قليلة ومحدودة ، كما قد يكون من طريق غير مباشر مثل مناصبة حركات التحرر والمقاومة العداء او الاعتراض ومعالنتها الرفض بدعوى مختلفة . وخطورة مثل هذا الجهر لا تخفى على أحد ، ومن مفاعيلها أنها تشيع في الناس مشاعر الاستهانة بقيم الوطنية ومن يحملونها في المجتمع ، بل قد تذهب الى حد اشاعة ثقافة سياسية معادية للوطن والوطنية .
2020/01/11