لندن وباريس تقودان تحالفاً دولياً لرفع الحرج عن واشنطن في هرمز
حضرت أكثر من 40 دولة في لندن مؤتمراً لوزراء الدفاع بشأن الأزمة في مضيق هرمز، فيما أكدت طهران على أن أمن المضيق من شأن الدول المتشاطئة محذرة برد “حاسم وفوري” ضد كل تدخل أجنبي
سعيد محمد*
نظمت لندن أمس الثلاثاء اجتماعاً افتراضياً موسعاً بشأن الأزمة في الخليج ضم وزراء دفاع ومسؤولين من أكثر من 40 دولة بدعوة مشتركة وجهتها حكومتا المملكة المتحدة وفرنسا. وهدف اللقاء، الذي ترأسه وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ونظيرته الفرنسية كاثرين فوتارين، إلى صياغة واقع ميداني جديد في مضيق هرمز، الممر المائي حيث تمر خمس إمدادات العالم من النفط والغاز والبتروكيمياويات، وفرضت إيران إغلاقه إثر شن الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً عليها في أواخر فبراير/ شباط الماضي.
وجاء الاجتماع الافتراضي بعد اجتماع عمل استمر يومين في لندن في أبريل / نيسان الماضي لضباط رفيعي المستوى من 44 دولة ناقشوا الجوانب العملية لمهمة متعددة الجنسيات تقودها المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في المضيق العتيد بعد وقف إطلاق نار مستدام.
واستبقت لندن وباريس الاجتماع بتحريك قطع بحرية عسكرية باتجاه الشرق الأوسط، إذ أرسلت بريطانيا المدمرة “إتش إم إس دراجون”، وهي قطعة بحرية متطورة مجهزة بنظام “سي فيبر” للدفاع الجوي وقدرات رصد دقيقة. وقالت وزارة الدفاع البريطانية أن هذه الخطوة تهدف إلى طمأنة شركات الشحن التجاري، وتوفير منصة دفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات الجوية والمسيرات بمجرد البدء في تنفيذ خطة لتأمين الممر بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام.
وكانت إتش إم إس دراجون” التي تتخذ من بورتسموث مقرا لها في المملكة المتحدة قد توجهت في مارس/آذار الماضي نحو قبرص بغرض حماية القواعد البريطانية هناك، ومن المتوقع أن تصل إلى بحر العرب قبالة المضيق بحلول نهاية مايو / أيّار الحالي.
بدورها دفعت فرنسا بحاملة الطائرات النووية “شارل ديغول” مع مجموعتها القتالية نحو المنطقة، بغرض توفير مظلة جوية واسعة وقدرات استطلاع متقدمة لتحالف دولي تعتزم بريطانيا وفرنسا قيادته لضمان عدم تحول المضيق إلى ورقة مساومة دائمة في الصراعات الإقليمية.
ويقول خبراء بأن هذا الحشد العسكري الأوروبي محاولة لاستعادة ثقة الأسواق النفطية التي تشهد اضطرابات حادة، وفي ذات الوقت أداة ضغط تخدم الأغراض الأمريكية/ الإسرائيلية في مواجهتها مع إيران.
من جهتها، ترى إيران أن مسؤولية تأمين هذا المضيق تقع حصراً على عاتق الدول المتشاطئة، وتعتبر أي وجود لمدمرات “من خارج الإقليم” تصعيداً للأزمة، وعسكرة للممر المائي الحيوي”، وسيواجه بـ “رد حاسم وفوري”.
وشددت إيران السيطرة على الوصول إلى المضيق، مؤكدة أن الحصار البحري الأمريكي ينتهك القانون الدولي، واتهمت الحلفاء باستخدام عمليات الأمن البحري كغطاء للضغط العسكري على طهران.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن بلاده لن تسمح بأي تدخل أجنبي في أمن المضيق، بريطانياً كان أو فرنسياً أو من أي دولة أخرى. وأضاف: “نذكرهم أنه في أوقات الحرب والسلم، لا يمكن إلا للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تؤسس الأمن في هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في مثل هذه الأمر”.
وفرضت إيران بعد العدوان عليها نظاماً يلزم كافة السفن العابرة في مضيق هرمز بالتنسيق المسبق مع مراكز المراقبة التابعة لها. لكن في أوائل هذا الشهر، فرضت الحكومة الأمريكية عقوبات جديدة على المصالح الإيرانية وحذرت السفن من دفع أجور لطهران مقابل عبور المضيق.
وقد حذر الجيش الإيراني من أن الدول التي تلتزم بالعقوبات الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية ستواجه صعوبات في عبور مضيق هرمز، ما يجعل منه منطقة مقايضة أمنية ترفضها العواصم الغربية جملة وتفصيلاً.
ويرجح مطلعون على كواليس الحراك البريطاني-الفرنسي الأوروبي وجود استراتيجية أمريكية خلفه تعتمد منطق توزيع الأدوار. إذ تدرك واشنطن أن التصادم المباشر بين أسطولها والقوات الإيرانية في المضيق قد يشعل فتيل مواجهة شاملة لا يرغب فيها البيت الأبيض حالياً. ولذلك تمنح الولايات المتحدة الغطاء السياسي واللوجستي للمبادرة البريطانية الفرنسية، وتوفر المعلومات الاستخباراتية والأقمار الصناعية لدعم تحركات “إتش إم إس دراجون” و”شارل ديغول”.
وبشكل مواز، يعمل الجانب الأمريكي على صياغة قرارات دولية داخل أروقة الأمم المتحدة، بالتنسيق مع البحرين ودول أخرى، للضغط قانونياً على طهران لرفع القيود عن الملاحة. وبينما تركز أوروبا على الجانب الدفاعي وتأمين التجارة، تواصل واشنطن فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، ما يخلق حالة من التوازن القلق الذي يسعى مؤتمر لندن إلى تحويله لواقع مستقر يخدم تدفق الطاقة قبل دخول نفق كارثة نفاذ المخزونات الاستراتيجية خلال أسابيع قليلة.
على أن التدقيق في المواقف يكشف عن تباين طفيف بين لندن وباريس في طريقة التعاطي مع طهران، حيث يبدو الجانب البريطاني أكثر ميلاً لاستخدام القوة الرادعة وتجهيز المعدات التقنية مثل سفن “آر إف إيه لايم باي” المخصصة لصيد الألغام، تحسباً لأي عوائق مادية قد تزرع في الممر المائي.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد اعتمد نبرة أكثر هدوءاً، مشيراً من نيروبي إلى أن فرنسا لا تسعى لعملية عسكرية هجومية داخل المضيق، بل تطمح لمهمة أمنية “منسقة مع إيران”. تعكس هذه الرؤية رغبة باريس في إيجاد صيغة تفاهم تمنع وقوع صدام مسلح غير محسوب، وتضمن في الوقت ذاته عدم فرض أي “ضرائب” أو أعباء مالية غير قانونية على السفن العابرة للمضيق.
ويعيش الاقتصاد العالمي حالة تكاد تكون غير مسبوقة من عدم الاستقرار جراء الأزمة في هرمز وتداعيات العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران. فقبل اندلاع الأزمة، كانت الملاحة في المضيق تسير بوتيرة منتظمة تضمن استقرار أسعار الطاقة في أوروبا وآسيا. واليوم، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري لدرجات قياسية ولجوء السفن لمسارات بديلة ومكلفة، أصبح فتح المضيق ضرورة ملحة لا تتحمل التأجيل.
وتراهن الدول الـ 40 المشاركة في الاجتماع على أن مجرد الإعلان عن “خطة عمل مشتركة” سيعطي إشارة إيجابية لأسواق النفط.
وتتضمن الخطة المقترحة تقسيم المهام بين حماية الممرات، المسح التقني للألغام، وإنشاء مركز قيادة وسيطرة مشترك يجمع الخبرات البريطانية والفرنسية في المنطقة لضمان سلاسة العمليات.
ويتوقف نجاح مؤتمر لندن- باريس على قدرة الأطراف الدولية على تحويل أية اتفاقات إلى واقع ميداني تلمسه شركات الشحن. وتتمثل الصعوبة الميدانية لأي تدخل بحري محتمل لفرض إرادة دولية في ضيق الممر المائي عند بعض النقاط، ما يجعل القطع البحرية الكبيرة أهدافاً سهلة عند حدوث تصعيد. لهذا السبب، تستند الخطط الأوروبية على دفاع متعدد الطبقات يجمع بين التغطية الجوية من حاملة الطائرات والدفاع الصاروخي من المدمرات، بالإضافة إلى استخدام الزوارق السريعة والمسيرات لمراقبة التحركات الإيرانية عن كثب.
حلفاء واشنطن في منطقة الخليج يراقبون هذه التحركات بحذر. فبينما يرحب الجميع بجهد دولي يمهد لعودة الملاحة، فإن ثمة تخوف من أن يؤدي الوجود العسكري المكثف لزيادة وتيرة الاحتكاكات البحرية وعودة الحرب، وتعقد فرص فتح المضيق.
وحذر رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني من استخدام قصية المضيق ك “أداة ضغط”، قائلاً إن مثل هذه التحركات قد تزيد من تفاقم أوضاع متقلبة أصلاً.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-05-13