عبور النهر..الحلقة الثانية !
النوم في سيارة الخردة…
علاء أبو منصور.
الثلاثاء ٢٣/٤/١٩٧٤
وصلت إلى مدينة اريحا في حوالي الرابعة بعد ظهر يوم الإثنين وربما أكثر! لا أدري، ففي حينه لم تكن تهمني مثل هذه التفاصيل. كان همي منصباً على النجاة فقط، فأنا المطارد لم يكن ليخطر ببالي انني سأكتب ذات يوم رواية عن هذه التجربة.
لمدينة أريحا في فصل الربيع طعم لذيذ….
في هذا الفصل من العام يقصدها المتنزهين من مختلف مناطق فلسطين، فتزدحم شوارعها بالمركبات التي تقل آلاف الأشخاص، طلبة مدارس وسياح وأسر، تقصد الاستجمام والتمتع بالطبيعة الخلابة، الينابيع العذبة والجو اللطيف، وما يوحي به موقع المدينة وطبيعتها وتاريخها الموغل في القدم من سحر وإثارة. أما بالنسبة لي فالأمر مختلف تماماً! لقد جئت المدينة متخفياً أتلمس النجاة.
ترجلت من السيارة قبل الغروب، في أوج ازدحام المدينة بالمتنزهين. أيقظني من شرودي تساؤل:
-إلى أين؟!
وجدت نفسي ألج مطعمًا يتصاعد الدخان من مشواه. لم أكن جائعًا! ربما جذبتني رائحة اللحم المشوي! ثم إنني بحاجة للأكل، وأنا لم أتناول شيئًا بعد إفطار الصباح.
كان المطعم يكتظ بالزبائن، عدا طاولة يجلس خلفها زبون في زاوية المطعم. استأذنته الجلوس على طاولته فرحب بي:
– تفضل.
حضر النادل فطلبت وقية لحم مشكل.
أنهى الزبون الذي شاركته الجلوس على الطاولة أكله وغادر…. كنت وأنا أتفحص وجوه الزبائن أشعر أنني غريب بينهم! هم يتمازحون ويداعب بعضهم أطفالهم، وأنا أجلس صامتاً! هم يلبسون ثياب رحلات، وأنا أرتدي بدلة شتوية تقيني برد الليل المرتقب. جميعهم يعرفون متى يغادرون وإلى أين ذاهبون، أما أنا فأتعمق في بحر المجهول!
فجأة توقفت سيارة عسكرية أمام المطعم وترجل منها اثنين من جنود الاحتلال قاصدين المطعم… جفلت! تخيلتهما سيقبضان علي! كان المطعم مكتظاً بالزبائن، فلم يكن أمامهما من خيار سوى مشاركتي الجلوس على ذات الطاولة… أنا الهارب منهم أجلس معهم!! حرك جلوسهما غريزة الفدائي في داخلي وقد وضعا سلاحيهما على الطاولة! أتطلع إلى السلاح وأتحسر! هل أخطف إحدى القطع؟ لكن ماذا أفعل بها وأنا لا أجيد استخدام هذه الأنواع من الأسلحة. خطأ الثورة أنها دربتنا على سلاحها هي وليس على سلاح العدو، فيما أننا نعيش تحت الاحتلال وليس سهلاً الحصول على الكلاشنكوف. لم تدربنا الثورة على سلاحهم ولم تعلمنا لغتهم!!
انتهيت من تناول طعامي وغادرت يطاردني سؤال التيه: إلى أين؟ اندفعت إلى مقهى قريب لعلي ألتقط أنفاسي وأفكر في المكان الذي سأقضي فيه ليلتي.
في المقهى سحابة دخان تظلل المكان….
طلبت كوب شاي، ورحت أقلب وجوه الجالسين. البعض منشغل بلعب الورق، آخرون يتمازحون ويقهقهون، وهناك من يستمتع بأرجيلته. الكل فرح وأنا مهموم!
لماذا أنا هنا؟ إلى متى؟ إلى أين أذهب؟ أين سأنام؟ أسئلة حائرة وأبواب مقفلة!! بالطبع لا يمكنني النزول في فندق، فهذه تقدم للمخابرات كشوفاً ليلية بأسماء نزلائها، ناهيك عن أني لا أعرف أحداً في أريحا فألجأ إليه.
الوقت يمضي وعلي ان اجد مكاناً اقضي فيه ليلتي. غادرت المقهى دون هدف، فوجدت نفسي أسير في الشارع المؤدي إلى مدينة القدس. في مجرى الوادي على يسار الشارع، لفتت انتباهي كومة سيارات خردة فاندفعت في الطريق الترابي الموصل إليها. وحين فتحت الباب الخلفي لإحداها وجدت مقعداً بفرش جيد فهمست لنفسي:(هذا أفضل مكان يمكن أن أقضي فيه الليلة).
ما زال الوقت مبكراً للنوم. أقفلت الباب وعدت أدراجي إلى المقهى…. في مثل حالتي يعتبر العثور على ملجأ للنوم بمثابة كنز! نعمة كبرى. ساعتين وربما اقل وغادرت المقهى، كان ذلك في حدود الثامنة مساءً. توجهت إلى مجمع سيارات الخردة بخطو! متثاقلة. نعم نجحت في تامين المبيت، لكن المكان لا يصلح لأكثر من مأوى للجراذين والقطط والكلاب الضالة والأفاعي!
بدا المكان موحشاً وأنا أقترب من السيارة وسط العتمة والصمت المطبق… فتحت الباب بهدوء وألقيت جسدي داخل السيارة. عوى كلب ورد عليه آخر!! ربما كشفت للجيران!! لذت بالصمت فأي حركة يمكن أن تفاقم الأمر… وضعت كفي تحت رأسي واستسلمت لنوم عميق كعادتي، فالشيء الذي لا أستطيع تغييره لا أجعله همي.
استيقظت عند الفجر فتسللت كأني ذاهب إلى الصلاة. بدوت وأنا أنفض الغبار عن ملابسي وبشعري المنفوش، كشخص فار من مستشفى المجانين. في وسط المدينة وبعد ان فتحت بعض الدكاكين ابوابها، اشتريت صحيفة الفجر: (اعتقال أعضاء الخلية التي نفذت عملية بنك لئومي). أما زال لدي أمل بالنجاة؟! لم أكمل القراءة. طويت الصحيفة ومضيت لعلي اجد دكانًا أجري منه اتصالاً هاتفيًا مع أبو يوسف.، فالهواتف كانت نادرة في تلك الآونة.
في النهاية وجدت هاتفًا فاتصلت:
– آلو.
لم أكمل كلامي فرد الرجل:
– أمك ماتت.
هذا ما همس به صاحبي وأقفل الخط، فتخيلته مرعوباً وهو يتلفت في كل اتجاه خشية ان يكون احد سمع ما تلفظ به. ومن شدة ارتباكه قال أمك بدل أن يقول خالتك كما اتفقنا…. فهمت الرسالة! أن الجيش داهم غرفتي. لقد انتهى الأمر ولم يعد هناك سبيل للتريث والتحليل. ولجت مطعمًا وطلبت صحن حمص وكاسة شاي…. علي أن آكل جيداً فتنتظرني رحلة قاسية…. غادرت ودخلت صالون حلاقة لأحلق ذقني، علي أن أحافظ على مظهر لائق…. لسبب لم أدركه في حينه سألت الحلاق سؤلًا يفتقر لأي منطق: متى يفتح الجسر؟ أجاب: عند الثامنة، فتح. همست لنفسي: مالي ومال الجسر؟! لماذا السؤال والجسر ليس طريقي!! يبدو أنني تحت وطأة ما أعانيه من ضغوطات كنت أبحث عن مجرد الحديث، أي حديث، عملية تفريغ لا اكثر ولا اقل. سألني الحلاق: هل انت مسافر. قلت: نعم. قال: هل لك أن تشتري لي ماكنة حلاقة من عمان وأكون شاكرًا لك؟ همست لنفسي: سر البلية ما يضحك! قلت: حاضر يا عم. قال: هاك ثمنها. قلت: آخذ الثمن حين أعود بها. سجلت نوع الماكنة على ورقة ودسستها في جيبي وغادرت وأنا أهمس :(ستنتظر طويلًا دون ان تأتيك! ربما ستسبني ! لكن تأكد انني لست كاذباً)
غادرت الصالون واشتريت نسخة من جريدة القدس من دكان ثان! كانت تحمل ذات العنوان. لماذا اشتريتها؟ لا أدري وقد أصبحت اعرف كل شيء! ربما أنني كنت اتوسل عنوانًا مختلفًا! شيء من الوهم يستنجد به الضعيف في اللحظات الصعبة.
لن أتساءل بعد اليوم أين أنام. سيارة الخردة جاهزة. لكن أين سأقضي نهاري؟ أعرف مزرعة تنزهنا فيها في ربيع العام الماضي. تقع المزرعة على يمين الشارع بعد نبع عين السلطان بقليل.
مشيت…. لم تستوقفني خضرة البيارات ولا شذى رائحة أزهار الليمون التي يعبق بها شارع المنتزهات…. الأمر طبيعي تمامًا، فمن حاله كحالي لا يشعر بالفرح حتى لو كان في الجنة. والمرء يفرح بإحساسه وما يلبي حاجته. أنا أبحث عمن يساعدني في عبور النهر، هنا تتمركز كل أحاسيسي.
وصلت المزرعة المغروسة بالخضروات. اتكأت إلى جذع شجرة سدر صغيرة في وسطها! ثم دارت عجلة الهموم مجددا’! ما خطوتي التالية؟ كم من الوقت سأقضي هنا؟ ما الذي أقوله لصاحب المزرعة إن حضر ووجدني في مزرعته؟…..
وسط سيل الأسئلة الحائرة لاح قطيع أغنام! ابتسمت بصورة عفوية وهمست: ربما جاء الفرج! سأذهب إليه لعلي أجد ضالتي عنده! لعله يساعدني في عبور النهر!
كنت على وشك النهوض والسير نحوه ففوجئت بصوت من خلفي: السلام عليكم. نهضت وحييت صاحب التحية محاولًا مداراة ارتباكي.
بعد حديث مجاملات سألني الرجل بلطف: (ما الذي تفعله هنا؟). هذا ما كنت اخشاه! ارتبكت وأجبت مضطرباً:(كما ترى!!). أثار جوابي الملتبس ريبة الرجل فهم بالمغادرة قائلاً:(أتمنى لك التوفيق). قلت وقد بدا لي الرجل فرصة من الغباء إضاعتها، فخطتي تقوم على ان اعثر على راعي غنم او مزارع يقدم لي المساعدة! ها قد وجدت الاثنين بأسرع مما توقعت. انني شخص محظوظ. قلت:( اجلس يا رجل لم نتعرف على بعضنا بعد). جلس فقلت:(أنا فدائي هربت من السجن وأنشد مساعدتك في عبو النهر). تنهد واعتدل وأشار بعينيه:(إياك أن تتحدث بما قلته لي لذلك الراعي). أضاف:(انه عميل للاحتلال). انتفضت وهمست: (ابن الكلب!). قلت للرجل الطيب: (لحظات قبل مجيئك كنت أتهيأ للتوجه اليه طالبا مساعدته). قال: (انت ابن حلال). أضاف:(هل تتقن السباحة؟). قلت:(لا). قال:(أنصحك بألا تجازف بمحاولة عبور النهر، نهر الأردن سريع الجريان ومشهور بحواماته، ونحن في نهاية فصل شتوي قاس، وقد بدأت الثلوج بالذوبان على قمم جبل الشيخ، فأحالت النهر إلى شيء من الجنون تحديه. انصحك بتسليم نفسك أيًا كان حكمك على خوض هذه المغامرة القاتلة. وفي حال بقيت مصرًا على موقفك، فانك لن تجد من يساعدك، فالإجراءات الأمنية أضحت مشددة للغاية، اصبح الكل يخاف بعدما اعتقل واستشهد كثيرون من الخبراء في هذا المجال .
بدا حديث الرجل مخيباً للآمال، لكنه لم يثنني عن تصميمي فقلت: (انا واثق انني ساجد حلا بمساعدتك)
غادر الرجل وهو يعيد التأكيد:(إياك ان تتحدث إلى الراعي. إياك ان تتحدث لغيري، المنطقة حدودية كما تعرف، وهي موبوءة بالعملاء، هنا يختلط الفدائي بالجاسوس والمهرب وتاجر المخدرات).
لقد انقذ مجيء الرجل الطيب مصيري. ماذا لو لم يحضر في اللحظة الحاسمة؟ ماذا لو كان هو نفسه عميلًا؟ انني رجل محظوظ وهذه رعاية الله.
المضطر يتصرف انطلاقًا من حاجته. والظرف الطارئ يملي سلوكاً استثنائياً. والتردد ممنوع حين تلوح الفرصة.
ما المفاجآت التي تحملها الايام القادمة…
يتبع ..غدا
2020-05-01