عالم التّفاهة السّياسي!تعريب لينا الحسيني
تسعى الحكومات، في الدول العربية تحديدًا، إلى إشغال شعوبها بثنائية «الخبز والتّرفيه» وهي التّرجمة الحرفيّة للعبارة اللاتينيّة: Panem et Circenses.
تمّ تداولها للمرّة الأولى، للتعبير عن نمط حياة الشعب الرّوماني في فترة الانحطاط قبيل انهيار روما.
دخلت القاموس السّياسي الحديث، فصارت تُستخدم للدلالة على الأولويات التّافهة للسّياسييّن المضلّلين للشعوب، الذين يُشغلون شعوبهم بالمطالبات الشعبويّة عوضًا عن وضع السّياسات البنّاءة، فينجحون في إشغال النّاس بشؤون المعاش من جهة (النّزعة الاستهلاكيّة ونقاشات الأسعار والرّسوم والرّواتب والتّموين والصّحة والتّأمين)، وبأنشطة الفرجة من جهة أخرى (البرامج التّرفيهيّة وكرة القدم).
يحكم النّظام الانتخابي في تلك المجتمعات ما يُعرف بالديمقراطية التّمثيليّة.
ينجم عن تلك الديمقراطية، عادةً، خطرٌ حقيقي يتمثّل بـ «طغيان الأغلبية»، إلا أن هناك خطراً آخر مضادًا يتمثل بـ «سيطرة الأقليّة»، وهو ما يعرف بـ «القانون الحديدي للأوليغارشية»، الذي وضعه الألماني روبيرت ميشيلز Robert Michels في كتابه «الأحزاب السياسية» (1911)، والذي صاغ فيه نظريةً مفادها أنّ الديمقراطيّة التّمثيليّة تنطوي على قصورٍ بنيوي يتمثّل في أنّ الجماهير بحاجة إلى زعماء قادرين على تعبئتها، وهو أمر يصعب تأمينه سوى عبر هيئة حاكمة تتكوّن من أقليّة ذات تنظيم وسلطة.
بمجرد أن تتشكّل هذه الهيئة، ينبثق منها زعماء ذوو سلطات تؤدي بهم، في النهاية، إلى العمل على تعزيز مصالحهم على حساب مصالح الجماهير. وهكذا، ينشأ التّباعد والانفصال، بین القلّة المسيطرة والجماهير.
يعني ذلك أنّه رغم ادعاء أي تجمّع أو حزب أو برلمان بأنّه يمثّل إرادة الأغلبيّة، فإنّه مع مرور الوقت سوف يستأثر بعمليّة صنع القرارات المجتمعيّة الكبرى، وهذه العمليّة ستنحصر بيد مجموعةٍ صغيرةٍ من الأفراد، أي أقليّة، حتّى وإن أتت عبر صناديق الاقتراع (زعماء أحزاب، رؤوس معارضة، قادة عماليون، نواب برلمان) .
«لا يمكن لأيّ مجتمعٍ أن يحقّق كينونته من دون طبقة مسيطرة. فالحكومة، أو الدولة، لا يمكن أن تكون إلا هيئة مكوّنة من أقليّة، تهدف هذه الأقلية إلى فرض نظامًا قانونياً على بقيّة المجتمع، هو في حقيقته محصلّة مقتضيات السّيطرة على الجماهير واستغلالها. وحتى عندما تنجح الجماهير السّاخطة من إزاحة البرجوازية من السّلطة، تبرز دائمًا وبالضرورة أقلية منظمة جديدة ترتقي بنفسها إلى مرتبة الطبقة الحاكمة».
آلان دونو/ دكتور في الفلسفة وأستاذ العلوم السّياسيّة في جامعة مونريال، صاحب مؤلّفات عديدة حول الملاذات الضريبيّة وصناعة التّعدين.
تعريب من كتاب:
#MEDIOCRACIA: CUANDO LOS MEDIOCRES LLEGAN AL PODER de #ALAIN_DENEAULT.
2022-02-22