الشرق الأوسط جيوبوليتيكيّاََ!
اضحوي جفال محمد*
قبل مئة عام وضع عالم الاستراتيجية البريطاني الشهير هالفورد ماكندر نظريته المعروفة بـ (قلب العالم)، وحدده بشرق أوربا معتبراً أن من يسيطر عليه يسيطر على العالم. فانتقد نظريته الاستراتيجي الأمريكي نيكولاس سبايكمان ورفض فكرة (قلب العالم) مقدماً عليه في الاهمية المناطق الساحلية المحيطة بأوراسيا. فكان النقد في محله لكن الفكرة البديلة فضفاضة لأن سواحل أوراسيا (آسيا واوربا) لا يمكن الاحاطة بها بقوة واحدة. فكأنه يقول (لكي تسيطر على العالم عليك أن تسيطر على العالم)!. وكان البديل الملائم لها نظرية الاستراتيجي الأمريكي (الفرد ماهان) الداعية لتعزيز وانتشار القوة البحرية، وهي النظرية التي بُنيت على اساسها العسكرية الأمريكية.
ان بروز الصين كتحدٍّ استراتيجي للغرب أوجب مراجعة الاستراتيجيات المعتمدة، وظهر ذلك جلياً داخل امريكا وفي العهدين الجمهوري والديمقراطي. فكان ترامب في ولايته الاولى يكرر باستمرار عدم أهمية الشرق الأوسط لبلاده، ويهدد دائماً بالانسحاب من الخليج ما لم يتم الدفع له. وفي عهد بايدن (12 اكتوبر 2022) اصدر البيت الأبيض استراتيجية الامن القومي التي تنقل محور الاهتمام نحو الخطر الصيني في المحيطين الهندي والهادي. وبعد ذلك بأسبوعين فقط اصدر البنتاغون استراتيجية الدفاع الوطني والتي ترجمت هذا التوجه إلى أولويات عسكرية عملية.
المفارقة ان ذلك صدر في عز انهماك امريكا بالحرب الاوكرانية. فسياسة بايدن انصبّت على جعل روسيا وليس الصين مركز الخطر. وعندما عاد ترامب إلى الحكم عاد إلى نفس النغمة القديمة بعدم حاجة بلاده للخليج وانه سيركز على الصين، فهل فعل؟ في الواقع وجد نفسه يتورط في الخليج من جديد وبطريقة غير محكمة تسببت بخسائر سياسية واقتصادية جمة.
من أقوال صدام حسين الشهيرة (لا تستفز الافعى قبل أن تبيّت النية والقدرة على قطع راسها). قالها ونشرها على كل جدار ثم فعل عكسها حرفياً عندما استفزّ كل أفاعي الارض ليواجهها بالشعارات المجردة. وهو ما يبدو أن رؤساء أمريكان يحذون حذوه.. فالحماقة ليست حكراً علينا. كان ترامب وطوال حملته الانتخابية الثانية يتهجم على بايدن لزجه امريكا في حرب أوكرانيا، ويزعم انه سينهيها إذا فاز خلال 24 ساعة. والان له في البيت الأبيض عام ونصف وينخرط في تلك الحرب بأشكال متعددة. وكان يأخذ على سابقيه إضرامهم الحروب العبثية وها هو متورط في حرب توشك ان تصبح عبثية في الخليج.
الجيوبولتكس (الجغرافيا السياسية) يفرض أحكامه على الساسة مهما نظّروا بمعزل عن الواقع. وهو الان يقرر أن لا فكاك للسياسة الأمريكية من أخطبوط الشرق الأوسط. وكان استراتيجيون على قدر كبير من الاهمية، بينهم بريجنسكي وكيسنجر، قد أكدوا من قبل عدم امكانية التخلي عن هذه المنطقة الخطرة من العالم. وحين استهانت الادارات الأمريكية المتأخرة بآرائهم مدعيةََ القدرة على محاربة الصين من غير الارتكاز على الخليج انما ارتكبت واحدة من اكبر الخطايا السياسية، لأنها وجدت نفسها مترددة بين خيارات وعاجزة عن ترتيبها ضمن خطة موحدة.
بإشعالهم الأزمات في منطقتنا انما يوفرون للخصوم (الصين وروسيا) ساحات إضافية للمناورة. فروسيا التي تواجه هذه الايام استهدافاََ غير مسبوق لمنشآتها النفطية ستجد نفسها مرغمة على التنازل لولا أن ميدان الطاقة هو نقطة ضعف خصومها الممولين لأوكرانيا بوسائل استهداف المصافي. وبإشعال امريكا هذا الصراع في الخليج وفرت لروسيا باب خنق الاوربيين نفطياََ من داخل الخليج.
كان النفط الروسي قبل هذه الحرب يُعرض بخصومات تتعدى الثلث ولا يجد من يشتريه، والان تحقق مبيعاته أرقاماً قياسية يدفع ثمنها داعمو أوكرانيا. وعليه يتوهم من يعتقد أن نفط الخليج سيتعافى في أجل قريب. ان روسيا بكل قدراتها ودهائها تجد في حرب الخليج فرصتها الذهبية لتحطيم منافسي ثروتها الاولى. وذات الشيء ينطبق على الصين ولكن بصورة مختلفة. فالصين التي كانت مطوقة بأحلاف وجيوش امريكية جرارة تتنفس الآن الصعداء بانحسار تلك الجيوش وانشغالها بالشرق الأوسط. حتى مخازن العتاد الأمريكي في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين أُفرغت وتم توجيه العتاد إلى أوكرانيا والخليج. فهل تسمح الصين بزوال هذه البحبوحة التي هطلت كمنّ من السماء؟ لا طبعاً، وما عليها سوى إحكام الورطة الأمريكية في المستنقع الخليجي، ولديها من الوسائل ما يكفي لذلك.
كان اتفاق اوباما مع ايران أنجع خطة لمنع ايران من امتلاك السلاح النووي، وتهدئة المنطقة، والتفرغ للخطر الصيني العملاق، فنسفها ترامب بحماقته.
وكان الضغط على عصب الاقتصاد الروسي بخنق ثروته النفطية كفيل بتأجيل انتقال روسيا إلى قطب فاعل في عالم متعدد الأقطاب، فجاءت الحرب الأخيرة لتعجّل بصعود النجم الروسي.
وعلى الجميع مراجعة استراتيجياتهم والإقرار مرغمين بأن الشرق الأوسط، والى أجل غير مسمى، هو مركز العالم، ومن يسيطر عليه يفوز بالجائزة الكبرى.
( اضحوي _ 2409 )
2026-07-13