طال غيابك يا سيّد،!
لينا الحسيني
طال غيابك يا سيّد، فاستطال معه ظلّ الأقزام. والساحة التي كنت تملؤها وحدك باتت أوسع من أن تجد بديلاً عنك، قادرًا على إيقاف الزمن بإطلالةٍ تلفزيونية.
البلاد التي رويتها بدمائك، باتت مسلوبةً يتناوب على تقطيعها الأعداء وذيولهم في الداخل.
الجوع يأكل الناس في دولة اللّئام، وتتّشح بيوت المكلومين بالعتمة، بعدما أفرغ اللصوص جيوبهم، وأشغلوهم عن مأساة ضياع الأرض بـهمّ تأمين الخبز والدواء.
الشتاء يتوعّد المنسيين من سكان الداخل والمرتفعات بنهش ما تبقى من كبريائهم، وبات الدفء ترفًا، في حين يتأفّف بعض الوزراء والنّواب لأنّ آلاف الدولارات لا تكفيهم لتمويل بنزين مشاويرهم!
الصهيوني يقرض قبور الأموات وقلوب الأحياء في الجنوب، لأنه يدرك أن «الإنسان لا ينتمي إلى أرضٍ ما، حتى يكون له ميتٌ تحت ترابها.»
أمّا السلطة المتواطئة، المتلعثمة بمفردات التنازل والتسليم على بياض، فإنّها تكافئ من باتوا بلا مأوى بالتضييّق عليهم، وإذلالهم وحرمانهم من أبسط مقوّمات الصمود.
شاشات التلفزة ومنصّات التواصل، احتلّتها الضفادع والسّحليات، وعبث العفن بأدبياتها القديمة، ونمت فطرياتها السّامة على الشتم والتشفي، وازدحمت بالوجوه الرخيصة..
لقد تحكّم الأراذل بالمشهد وصار أفيخاي أدرعي النّكرة مصدرًا..
ما عادوا يخجلون يا سيّد، «طقّ شلش الحيا»، ولا عجب، فالخجل من خصال الإنسان حصرًا، وهم قد تنازلوا عن إنسانيتهم طوعًا، وكما قلت ذات خطاب: «الكرامة ما بينعزم عليها.»
حضورك في وجداننا أكبر من أن يطويه الموت، وكلماتك التي خاطبَت المثقفين، والعاملين، والبسطاء، ما زالت زادنا اليومي، وسبابتك التي لطالما حبست أنفاس أعدائك ما زالت ملاذًا لذاكرتنا التي ترفض الاستسلام.
ما زلنا ننتظرك.
نتوسل عودتك ولو بتصديق كذب المنجميّن.
نتمسّك ولو بقشّةٍ تُعيننا على تحمّل الجحود والنكران..
في أميركا اللاتينية، يعود الموتى، ويجلسون إلى موائد الأحياء، ويواصلون حياتهم في الحكايات كأنّ الموت لم يكن أكثر من وجهٍ آخر للحياة.
وأنت أيضًا، يا سيّد، لم يأخذك الموت منّا، وما زال لك في القلوب منازل، ومطرحك لن يملؤه أحد.
#السّيّد
#كان_أمّة
2026-09-28