ضغوط أمريكية لتوريط الناتو في العدوان على إيران!
الأوروبيون لترامب: اذهب أنت وربك فقاتلا
تتعمق العزلة الدولية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع استمرار العدوان الذي يشنه مع إسرائيل ضد إيران، حيث يقاوم الحلفاء الغربيون ضغوطه لتوريطهم عسكرياً في الحرب
سعيد محمد*
تواجه وحدة حلف شمال الأطلسي – الناتو – اختباراً بدا الأصعب منذ التأسيس، في ظل الانقسام الحاد بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول تلبية دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمشاركة في مجهود حربي لفتح مضيق هرمز بالقوة. ويأتي هذا التوتر المتصاعد بعد ثلاثة أسابيع من إطلاق عدوان أمريكي/ إسرائيلي ضد إيران، ما أدى إلى إغلاق الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره خمس النفط والغاز العالمي ومنتجات كيميائية هامة أخرى، ودفع أسعار الخام للقفز بنسبة تقترب حثيثاً من مستوى 50 بالمائة مقارنة بالأسعار قبل الهجوم الغادر على طهران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.
وأطلق الرئيس دونالد ترامب تحذيرات مباشرة تجاه الحلفاء، رابطاً بين استمرار حلف “الناتو” وبين الاستجابة لمطالبه. وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة “فاينانشال تايمز” اللندنية من على متن الطائرة الرئاسيّة “إير فورس وان”، شدد على “إن الدول المستفيدة من عبور النفط عبر المضيق يجب أن تتحمل مسؤولية تأمينه”، ملوحاً بأن الرد السلبي أو عدم الاستجابة سيعني “مستقبلاً سيئاً للغاية” للحلف الغربي، على أساس أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات ضخمة لأوروبا في ملف أوكرانيا، وحان الوقت لتلقي دعم مقابل في الشرق الأوسط.
وتطالب الإدارة الأمريكية الحلفاء بإرسال كاسحات ألغام وفرق كوماندوز بحرية لمواجهة الأنشطة الإيرانية على السواحل، والتي تشمل نشر طائرات مسيرة وزرع ألغام بحرية تعوق حركة الملاحة. كما شملت الضغوط الأمريكية التهديد بتأجيل القمة المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، بهدف دفع بكين أيضاً للمشاركة في تأمين الممر المائي الذي تعتمد عليه الأخيرة في الحصول على 90% من إمداداتها النفطية.
العواصم الأوروبية الكبرى جاء ردها موحداً في رفض الانجرار إلى صراع مباشر مع إيران. وقد تمترست كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا خلف مواقف دبلوماسية وقانونية ترفض تحويل “الناتو” من حلف دفاعي إلى أداة للتدخل العسكري الهجومي.
في لندن، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تنجذب إلى “حرب أوسع نطاقاً”، مشيراً إلى أن أي تحرك عسكري يجب أن يكون قانونياً ومبنياً على خطة استراتيجية واضحة، وهو ما يفتقر إليه التحرك الحالي بحسب الرؤية البريطانية. وقد قوبل ذلك بانتقاد حاد من ترامب الذي وصف موقف ستارمر بـ “الفظيع”.
وفي برلين، كانت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير دفاعه بوريس بيستوريوس أكثر وضوحاً، حيث أكد ميرتس أن “الناتو حلف دفاعي وليس حلفاً للتدخل”، بينما قال بيستوريوس: “هذه ليست حربنا، نحن لم نبدأها”. وتعكس هذه التصريحات رغبة ألمانيا في فصل أولوياتها الأمنية في أوكرانيا عن المغامرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، محذرة من أن تصعيد التوتر في مضيق هرمز يخدم المجهود الحربي الروسي من خلال رفع أسعار الطاقة.
أما فرنسا، فقد أبدت استعداداً مشروطاً للمشاركة في بعثات مرافقة السفن التجارية، ولكن فقط بعد توقف الأعمال العدائية والوصول إلى حالة من الهدوء، وهو ما يرفضه الجانب الأمريكي الذي يريد تدخلاً فورياً تحت النار.
وتشير تقارير الخبراء العسكريين إلى أن الولايات المتحدة تعاني من فجوة كبيرة في قدرات “حرب الألغام”، ما يفسر إصرار ترامب على طلب كاسحات ألغام أوروبية. وتمتلك الدول الأوروبية تكنولوجيا متقدمة في اكتشاف الألغام البحرية تتفوق على نظيرتها الأمريكية التي أهملت هذا القطاع لعقود.
وتشير تقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن إيران زرعت ألغاماً قاعية متطورة في أضيق نقطة بالمضيق (21 ميلاً بحرياً)، وهي ألغام تعمل بالإشارات الصوتية والمغناطيسية ومن الصعب اكتشافها وسط ضجيج المحركات البحرية. وتؤكد مصادر بحرية أن إزالة هذه الألغام في ظل استمرار القصف المتبادل يعد مهمة انتحارية، وهو ما يدفع الحلفاء للتردد في إرسال قطعهم البحرية الثمينة إلى منطقة النزاع.
وفي الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، سادت أجواء من الاستياء تجاه النهج الأمريكي. ووصف وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، أسلوب ترامب بأنه “ابتزاز”، مؤكداً غياب الأسس القانونية لتفعيل المادة الخامسة من مادة الدفاع المشترك لحلف الناتو، عندما لم تتعرض أي دولة عضو لهجوم مباشر يبرر هذا التحرك الجماعي.
من جانبها، حاولت كايـا كـالاس، مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، طرح تسوية تتمثل في توسيع نطاق عملية “أسبيدس “الموجودة في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز، إلا أن الفكرة واجهت رفضاً من الدول الأعضاء التي اعتبرت أن تفويض “أسبيدس” دفاعي بحت”، ولا يمكن تحويله إلى مهمة هجومية لفتح الممرات المائية بالقوة.
وفي ظل هذا الشقاق، تحدثت صحف غربية عن ملامح تحرك دبلوماسي أوروبي موازٍ بعيداً عن ضغوط واشنطن، حيث كشفت مصادر دبلوماسية عن فتح قنوات اتصال مباشرة بين عواصم أوروبية، أبرزها باريس وروما، وبين طهران للتفاوض على “ممر آمن” يضمن عبور السفن التابعة للدول غير المشاركة في النزاع. ومع ذلك، يصطدم هذا المسعى الانفرادي برفض لندن للتحاور المباشر مع طهران وتفضيلها سياسة تعزيز التنسيق مع السعودية لضمان استمرارية الإمدادات من موانئها على البحر الأحمر، كما تتحفظ بعض عواصم الاتحاد الأوروبي على جهود قد تستدعي غضب واشنطن، ما يضع القارة أمام انقسام إضافي.
والواقع أن القادة الأوروبيين يخضعون لضغوط مزدوجة؛ فمن جهة، تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى تآكل القوة الشرائية لمواطنيهم وزيادة تكاليف الشحن والسلع الأساسية مثل الأدوية والأسمدة القادمة من آسيا. ومن جهة أخرى، يخشى هؤلاء القادة من أن المشاركة في الحرب ستجعل سفنهم ومصالحهم أهدافاً مشروعة لإيران وحلفائها في المنطقة، ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية تفوق حتى أضرار ارتفاع الأسعار.
وتشير استطلاعات الرأي في بريطانيا مثلاً إلى أن 59% من المواطنين يعارضون الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل قاطع، بينما تطالب أغلبية تقارب الثلثين بالتزام الحياد. هذا الضغط الشعبي يحد من قدرة ستارمر ونظرائه في أوروبا على تقديم تنازلات لترامب، خاصة مع استحضار ذاكرة حرب العراق عام 2003 والتي يُنظر إليها في أوروبا كدرس قاسم حول مخاطر الانجرار خلف الرؤى الأمريكية غير الواضحة.
وتراقب كل من موسكو وبكين هذا التصدعات عبر الأطلسي باهتمام كبير. إذ تستفيد روسيا بشكل مباشر من ارتفاع أسعار النفط، لا سيما بعد تخفيف واشنطن العقوبات على أسطول الظل الروسي – وإن لأسابيع قليلة – ما يمكنها من تعزيز ميزانياتها العسكرية للحرب في أوكرانيا، بينما تجد الصين في الطلب الأمريكي للمساعدة فرصة لمساومة واشنطن على ملفات التجارة والتكنولوجيا. وقد سخرت وسائل الإعلام الرسمية الصينية من الطلب الأمريكي، واصفة إياه بأنه محاولة لتقاسم مخاطر حرب بدأتها واشنطن ولا تستطيع إنهاءها، داعية إلى العودة لطاولة المفاوضات بدلاً من إرسال “ألف مدمرة ومدمرة”.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-03-20