صك الانتداب على فلسطين والقانون الدولي المعاصر!
بطلانه القانوني، وامكانية اعتذار الامم المتحدة الى المتضررين منه، وخلاصات بشأن المظالم التاريخية
الدكتور جورج جبور.
رئيس الرابطة السورية للامم المتحدة
وسابقا: استاذ ورئيس قسم السياسة في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، وخبير مستقل لدى مجلس حقوق الانسان لدى الامم المتحدة في جنيف
كلمة في افتتاح ندوة " الرابطة السورية للامم المتحدة، 10 ك الاول 2020، المركز الثقافي العربي بدمشق ( ابو رمانه) بعنوان: أية حقوق للفلسطينيين؟
بمناسبتي اليوم العالمي لحقوق الانسان في العاشر من الشهر الثاني عشر من كل عام، ومائة عام على صياغة صك الانتداب على فلسطين في ربيع عام 1920.
أولا: مقدمة الكلمة وخطتها:
هي كلمة افتتاح تطرح افكارا جديدة جادة قبل ان تنقضي المائة عام الاولى على صياغة صك لانتداب على فلسطين في مؤتمر سان ريمو الذي عقد يوم 19 نيسان 1920. يرجى لها ان تثير نقاشا عالميا يبلغ ذروته في الشهر السابع من عام 2022 بمناسبة مائة عام على ارتكاب عصبة الامم جريمة ضد الانسانية حين وافقت على الصك الباطل قانونا.
وهي كلمة لا بد منها في وقت نشهد فيه محاولة تصقية اخيرة لقضية فلسطين بل لعلها حقا التصفية الاخيرة على نحو ما تود انظمة حكم عربية عديدة يناهضها في سياساتها محور له حضوره القوي هو " محور المقاومة".
وهي ايضا كلمة من المفيد استمرار تنقيحها وتعميقها لكي تكتمل على احسن وجه في عام 2022 ، أي بعد مائة عام من مصادقة مجلس عصبة الامم على صك الانتداب ، تلك المصادقة التي اعطت الصك صفة الالزام في القانون الدولي.
بعد هذه المقدمة انطلق لتبيان أسباب القول بالبطلان القانوني لصك الانتداب ، وللرد على بعض الاعتراضات التي يمكن ان تثار ، لاتقدم الى بحث في امكانية تقديم اعتذار من الامم المتحدة الى الفلسطينيين وغيرهم من المتضررين . اما الختام فقد شئته خلاصات بشأن المظالم التاريخية .
ثانيا: أسباب البطلان:
1.عدم استشارة السكان الذين سيطبق عليهم الانتداب. هذا الامر تتشارك فيه صكوك الانتداب جميعا، وكثرا ما اثير دون طائل.
2. ينص عهد العصبة على ان فلسفة الانتدابا ت هي العمل لصالح شعوب الدول التي سيمارس عليها الانتداب. الا ان الانتداب على فلسطين أتى لصالح شعب يتم استيراده لا لصالح الشعب الاصلي.
3. جرت، نتيجة تطبيق صك الانتداب عملية تغيير ديموغرافي قسري تبرهن عليها الانتفاضات
الفلسطينية المتعاقبة التي تسبب فيها منح الاراضي للمسنوطنين وحرمان السكان الاصليين منها.
4. وسبب البطلان الاهم الذي يستوعب السببين الثاني والثالث هو ان عصبة الامم وهي منظمة علمانية، وهي المؤتمنة ، بصفتها العلمانية، على القانون الدولي العلماني بطبيعته، هذه العصبة العلمانية أدخلت في صلب صك الانتداب فكرة دينية هي ضرورة عودة اليهود الى فلسطين وانشاء وطن قومي لهم فيها. فكأن صك الانتداب انما تضمن تعهدا بنصر ديني يحققه المجتمع الدولي ومعه القانون الدولي ، نصر لصالح تفسير معين لبعض نصوص توراتية . وعلى حساب من يتحقق ذلك النصر؟ يتحقق على اتباع الديانتين اللتين كانت الاوسع انتشارا بين سكان فلسطين وهما الاسلام والمسيحية.
5. تضاف الى اسباب البطلان هذه، تلك الخديعة الدنيئة التي ارتكبها الرئيس ويلسون الامريكي اذ انه لم يعلن فكرته الرائعة بشان حق تقرير المصير الا بعد ان وافق على نص وعد بلفور. فكأنه حرم الفسطينيين من حق تقرير المصير تطبيقا ل " قانون دولي قديم" يتيح سلب هذا الحق ، وتعهد بعد ذلك باحترام حق بقية شعوب في تقرير مصيرها بموجب " قانون دولي جديد" هو الرائد فيه. ومن المعلوم ان هذا البند في " القانون الدولي الجديد" غاب عن عهد عصبة الامم وبرز واضحا في ميثاق هيئة الامم المتحدة.
6. وتضاف الى اسباب البطلان معضلة عملية . لم يتحدث الصك عن الحقوق السياسية لسكان فلسطين. كأن اؤليك القاطنين لا حقوق سياسية لهم. نص الصك على صيانة حقوق القاطنين في فلسطين المدنية والدينية. في كل حال : كبف يمكن صيانة الحقوق المدنية مثلا اذا كان المطلوب الاول انشاء وطن قومي في ارض محددة. ألا يتطلب الانشاء الاستيلاء على ارض لمالكيها حقوق؟
ثالثا: اعتراضان جائزان على اسباب البطلان والرد عليهما.
في العنوان ما يشير الى اعتذار تقدمه منظمة الامم المتحدة الى الشعب الفلسطسني عما قامت به العصبة من خلال صك الانتداب. قد يقال: المنظمة غير العصبة وهي ليست وريثا شرعيا لها.اتخذت العصبة اجراءات كثيرة انقضى موسم النقاش فيها بانقضاء العصبة ، ولا يمكن تحميل المنظمة وزرها.
في الرد اقول : المنظمة ورثت العصبة ماديا كما نعلم: مقرا ووثائق . في الامر اذن شبهة وراثة معنوية.وفي كل حال فان امر وراثة المنظمة للعصبة في موضوع الصك ثابت مهما تنوعت اجتهادات الوراثة المطلقة . المنظمة تابعت تنفيذ الصك .وحين وضعت انجلترا موضع مصير قضية فلسطين امام المنظمة فانها في فعلها اعتبرت المنظمة وريثة قانونية للعصبة . وهي بهذا وضعت تحت الفحص صك الانتداب واساليب تنفيذه جميعا.
ذلك اعتراض اول وثمة اعتراض ثان.
لقد تقادم الموضوع. والرد بسيط: لم يتقادم . ما دام ثمة مقاومة فلسطينية تتحدى ،فصك الانتداب أمر راهن ، وبحث بطلانه في القانون الدولي المعاصر أمر مشروع. فلننظر:
شرعة حقوق الانسان هي الوثيقة الاهم في القانون الدولي المعاصر بعد الميثاق. الشرعة مؤلفة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان ومن العهدين المعروفين النافذين. المادة الاولى في العهدين الملزمين واحدة ، والتكرار — اي ورودها مادة اولى في العهدين — دليل على اهميتها الاستثنائية. نص المادة يقضي ببطلان صك الانتداب رغم انه يسبقها زمنيا. انه مخالف للقانون الدولي المعاصر . الا يقضي منع الاسترقاق الى ابطال عقود الاسترقاق التي اتفق عليها قبل المنع؟
رابعا: امكانية اعتذارالجمعية العامة الى المتضررين من الصك عن الظلم الذي اوقعه بهم الصك:
هذه الامكانية هي في جوهرها حصيلة تفاعل القانون الدولي مع السياسة الدولية في المنظمات الدولية التي هي هنا الجمعية العامة للامم المتحدة.
السؤال : من يقرر الاعتذار؟
انتهكت العصبة ثم المنظمة حقوق الفلسطينيين وهو امر ليس بحاجة الى اثبات. الاعتذار مطلب حق بمقتضى القانون الدولي المعاصر في مبادئه العامة . لكن : من يقرر ما هو القانون الدولي في نقطة المبدأ العام هذه وفي غيرها؟
هو سؤال يعود بنا الى محنة القانون الدولي. لدينا قانون دولي وهو غير مطبق فما العمل؟
أتذكر ما اردده منذ نحو من 56 عاما حين عهد الي لأول مرة بتدريس مقرر في القانون الدولي. فلنتأمل:
اللاعب الاول في ساحة العالم هو السياسة الدولية. وهي تلد منظمات دولية على مقاسها مع بعض التشذيب، فلدينا تساو في السيادة بين الدول ولدينا حق نقض. المنظمات الدولية هي الوليد ، هي اللاعب الثاني. اما وليد اللاعب الثاني فهو القانون الدولي. لا يستطيع القانون الدولي ان يتحدى المنظمة الدولية او ما هو اقوى منها اقصد السياسة الدولية.
لكننا كلنا ، نحن المعنيين بالقانون الدولي ، نقول بأننا مع القانون . نناهض " تكتيكات" التكتلات في المنظمات الدولية ، ونناهض" جبروت" السياسة الدولية ، نناهضها باسم القانون ، ونعلم اننا نحن المتمسكين بالقانون هم اللاعب الثالث في ساحة العالم، وانه لا قبل لنا بالانتصار على اللاعبين الاول والثاني.
فلنكن كالمحامي الذي يتوسل ما يشاء من براعة ليصل الى حق ثابت، او الى جزء منه.
لفلسطين في الجمعية العامة للامم المتحدة اغلبيات ساحقة نتغنى سنويا باعادة تأكيد الجمعية لها، بدءا من قرار عودة اللاجئين عام 1948 الى ضرورة عودة الجولان وممارسة السيادة السورية على ارضه وحقنا الحصري في ثرواته الطبيعية.
اغلبيات اسمها الرسمي توصيات ، وهي لا مكان لها على ارض الواقع الذي هو " تصارع قوى".
أغلبيات هشة في كثيير من الاحيان، يستطيع ضغط من دولة عظمى التأثير عليها او على بعض مكوناتها .
الا ان لها فضيلة كبرى: ألا تلاحظون انها تنفي الولايات المتحدة الامريكة الى خارج المجتمع الدولي ، معزولة غير مستأنسة في عزلتها الاخلاقية الا مع بعض الدول – الجزر الميكروسكوبية المبعثرة؟
هذه الاغلبيات هي التي تحدد نظريا ما هو القانون الدولي. هي التي تحكم ببطلان صك الانتداب . هي التي تستطيع تقديم اعتذار الى الشعب الفلسطيني عما فعلته به عصبة الامم. هي التي تستطيع أن تأخذ فكرة البطلان ومعها فكرة الاعتذار أو الأسف الى محكمة العدل الدولية طالبة رأيا استشاريا .
رأي استشاري؟ ما قيمته؟ انه كسرة خبز امام جائع . أفضل من لاشيء . انه خطوة متقدمة على القرارات المكررة.
ولنتذكر دائما ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة.
هذه الاغلبيات هي التي تجعل من 2 تشرين الثاني من كل عام — يوم صدر وعد بلفور عام 1917 —- يوما لمناهضة الاستيطان ، او يوم اهتمام بالمحرقة الفلسطينية.
ألا يغيظنا ان الامم المتحدة ترغب الى كل دول العالم الاهتمام سنويا بالمحرقة اليهودية ، بينما هي لا تعير اهتماما بالمحرقة الفلسطينية التي هي شريك في ارتكابها؟
خامسا: خلاصات بشأن المظالم التاريخية والتعويض عنها:
كثيرة هي المظالم في التاريخ وقليلة التعويضات عنها. الا ان السعي مطلوب.
النجاح الاكبر في اشهار المظالم التاريخية وفي التعويض عنها هو ما استطاعت اسرائيل والصهيونية ان تحققاه نتيجة ما قامت به النازية.
وربما ان اكبر كمية من الاعتذارات هي تلك التي قدمتها اليابان الى عديد من الدول . ومع ذلك لم تحصل اليابان بعد على ما يشبه الاعتذار لا من المجتمع الدولي ولا من دولة قتلت من اليابانيين الرقم الاقصى في وقت القتل الاقصر . حتى الرئيس كارتر الذي بنى لنفسه سمعة تعاطف مع المظلومين ، حتى هو زار هيروشيما،وزارها متقاعدا، ولم يعتذر.
.قصف هيروشيما مقدس مدني لدى الامريكيين ووعد بلفور مقدس لاهوتي لدى الانجليز .
وفي مسالة الاعتذار عن الاسترقاق فشلت الدول الافريقية في الحصول على ما طالبت به الدول الغربية . تفردت بلجيكا بعد ذلك في تقديم اعتذار الى الكونغوليين عما سببت لهم من الام.
ومدفوعا باعتذار بلجيكا في ايار 2002 وجه صاحب هذه الاسطر في خريف ذلك العام رسالة مفتوحة الى رئيس وزراء بريطانيا تطالبه بالاعتذار عن وعد بلفور. وبنتيجة الرسالة وجهود ازرت الطلب كان اهم موقف رسمي بريطاني ينال من القدسية البلفورية. أشير الى تصريح لجاك سترو وزير الخارجية البريطاني انذاك الذي اعطى في مقابلة صحفية رأيا في الوعد تبرأت منه رئاسة الوزارة.
اما الارمن فيخوضون منذ مدة معركة دولية للاعتراف بالابادة الارمنية. وكان لهذا المطلب الحق حضوره في الذكرى المؤية للمجزرة. أوجه التحية الى سورية في استجابتها للمطلب.
أما الحدث الأهم في النظر الى الماضي القريب فكان في عامي 1991 و1992 على اختلاف ما بين الموضوعين.الا ان لكليهما صلة بما نحن بصدده في هذه الكلمة.
في 1991 الغت الجمعية العامة قرارا وصفه الرئيس حافظ الاسد بانه" عادل وصائب" . هو القرار 3379 الذي يصف الصهيونية بالعنصرية . هل باستطاعة اغلبياتنا ان تقرر بطلان صك الانتداب كما فعلت اغلبية اخرى بالقرار 3379؟ وفي الذاكرة ان الامين العام للامم المتحدة قدم اعتذارا عما اتخذته الجمعية العامة حين اصدرت عام 1975 القرار الملغى. قلت: في الذاكرة. ويحسن ان نصل الى النص الدقيق.
في 1992 توقفت المنظمة الدولية عند مأساة السكان الاصليين الذين زلزل قارتهم كريستوفر كولومبوس بمباركة فاتيكانية. ليس في ذاكرتي ماذا فعلت الجمعية العامة الا ان لدي وثيقة فاتيكانية تحفل بنعابيرالاسى عما فعله الغزاة الاوروبيون بالسكان الاصليين.
هي نظرة ختامية سريعة الى المظالم التاريخية والتعويض عنها. البحث يطول.
ثم ان كثيرا من النقاط التي اثارتها هذه الكلمة يتطلب معالجة ادق ليس مكانها كلمة افتتاحية. لدينا متسع من الوقت ومن الخبرات لكي ننقح العمل فتكون للعالم كله وقفة حق وصدق صيف عام 2022 حين صادقت العصبة ، قبل مائة عام، على صك انتداب هو واجب البطلان منذ ولادته والى الان.
جورج جبور
دمشق في 10 كانون الاول 2020
2020-11-29