اذا كان الحرمان هو علة الاحتجاج فان الوفرة هي الاحتواء الكلي للاحتجاج، على رأي المفكر الالماني هربرت ماركوز (1898-1979) ذو الميول الماركسية الواضحة المقترنة بموقف مستقل، ونجد تفسير الاستقلال الذي تمتع به ماركوز تجاه الماركسية في شعوره بعدم ثقة تجاه كل جهاز سياسي بما في ذلك الحزب السياسي ويمكن تلمس عدم الثقة هذا ليس فقط في نقد ماركوز العنيف للمجتمع التكنولوجي الرأسمالي في دراساته ومحاضراته، ولكن في تحليله النقدي ايضا للماركسية السوفيتية التي ابدى معارضته لبيروقراطيتها ومركزيتها التي ظهرت معالمها منذ موت لينين.
هجر ماركوز المانيا في عام 1933 متوجها الى الولايات المتحدة الامريكية ليؤسس هناك مع زميله ماكس هيركهايمر معهد البحوث الاجتماعية الذي عمل فيه ونشر لصالحه بالتعاون مع هيركهايمر وادورنو كتابهم (دراسات في السلطة والاسرة). ثم قدم ماركوز دراستيه المهمتين ( الحب والحضارة) و(الانسان ذو البعد الواحد) ليختلف مع كل من باسكال وكانت وهيجل وماركس الذين تعاملوا مع الانسان ببعدين هما التكيف مع الواقع وتجاوز الواقع في آن واحد أو هو بعد واحد مركب من الواقع والممكن معاً.
ولما كانت كل ثقافة وكل تطور في الشخصية الانسانية يرتبطان ببعدي التكيف والتجاوز، الواقع والممكن ويقومان على اساسهما، فان التقدم يشكل تهديداً ملحوظاً لمستقبل الابداع الثقافي والحرية الاصلية التي ينزع الفكر والمجتمع الرأسمالي المتوحش الى ازالتها ليحل محلها الانسان الذي يعيش على شكلين من السلوك هما الاستهلاك وتنفيذ قرارات الآخرين، مما يجعل انسان هذا المجتمع جديراً باسم ( الانسان ذو البعد الواحد).
ان الفرضية الاساسية في كتاب ماركوز (الانسان ذو البعد الواحد) هي ان التقنيات المتقدمة في المجتمعات الصناعية الحديثة، تمكنها من ازالة التناقضات الموجودة فيها عبر امتصاصها لكل من كانوا يشكلون اصواتاً أو قوى معارضة في ظل الانظمة الاجتماعية السابقة مستخدمه في ذلك آليتين :-
الاولى آلية خلق الكفاية / الوفرة المادية التي تولد العبودية بدلاً من ان تكون هذه الكفاية شرطاً مسبقاً للحصول على الحريات الاخرى، حيث تساعد تلبية احتياجات الناس على ازالة احتجاجاتهم وانهاء اسباب معارضتهم ليصبحوا ادوات طيعة في يد النظام السائد. اي ان الوفرة التي تحققها التقنية الرأسمالية تجعل التشكيك في الوضع القائم والتمرد عليه امرين لامعنى لهما ! لان الوفرة حسب رأي ماركوز من جهة تشبع احتياجات المجتمع المادية التي قد يقوده النقص فيها الى موقف الاحتجاج والمعارضة لولا ذلك الاشباع، وهي من جهة اخرى تحفز المجتمع على التكيف مع متطلبات النظام القائم القادر على اشباع احتياجاته المادية، الامر الذي يعني قدرة آلية اشباع الاحتياجات على ابقاع اوضاع ذلك المجتمع على ماهي عليه دون تغيير ويتم القضاء على اي شعور بالمعارضة ، وهكذا تسيطر مؤسسات الدولة على الذين ينعمون بفوائدها ومزاياها بفضل هيمنتها على مستوى معيشتهم، لان زيادة الاستهلاك كفيلة بإضعاف حوافز تقرير المصير لديهم، وان ماركوز في هذا الكتاب يتحدث عن قدرة النظم الرأسمالية على توطيد وحماية نفسها بفعل التقدم التقني الذي ساعدها على بلوغ مستوى الهيمنة الكاملة مما يجعل كل احتجاج واعتراض ومقاومة باسم تحرير الانسان نوعا من العبث.
أما الآلية الثانية فانها آلية التحكم بالفراغ وصناعة الفراغ ووسائل الاتصال الجماهيري، مما يضمن القدرة على خلق افكار وسلوكيات وعادات مفروضة تربط المستهلكين بالمنتجين بطريقة مقبولة الى حد ما وتسهم بدور فاعل في تكوين انموذج الانسان الذي لايستطيع ان يقول لا !
لكن اطروحة ماركوز عن الامتصاص الكلي للقوى النقدية المعارضة والمحتجة تتطلب وتنتج اطروحة مكملة تفيد ان المجتمع الرأسمالي الاحتكاري قادر على مقاومة كل الازمات الاقتصادية التي تصيبه وتعرض انتاجيته ونموه واستقراره للاضطراب الامر الذي ينتهي الى تقييد ونفي الفكرة القائلة بإمكانية وضرورة تطور القوى التأريخية للتحرر داخل المجتمع القائم بسبب مجموعة عوامل اهمها المكننة الاوتوماتيكية التي تقلل من العمل الجسماني بما يقلل شعور مستخدميها بالاضطهاد ويساعد على مماثلة نفسه مع الجماعة التقنية وكذلك بسبب التناقص المستمر في عدد العاملين المنتجين من ذوي الياقات الزرقاء والازدياد المستمر في عدد العاملين غير المنتجين من ذوي الياقات البيضاء لتصبح الحدود بين الطبقات غير دقيقة ولا واضحة الامر الذي يخفي الاستغلال الحقيقي..
بالنهاية فان الوفرة تمنع التفكير في نقد الواقع او تجاوزه وتجعل الفرد كائن من السهل احتوائه وادماجه في النظام المفروض عليه من اعلى ، اي انسان ذو بعد واحد محكوم بنظام بيروقراطي محض.
ان متابعة افكار هربرت ماركوز كانموذج لافكار مدرسة فرانكفورت، تسمح بالقول ان مفكري هذه المدرسة سلكوا سلوكا انتقاديا تجاه المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية المعاصرة معا ، عبر اعتمادهم للنظرية النقدية التي تأكدت مقولاتها أكثر فأكثر مع تطور هذه المجتمعات وبلغت هذه الانتقادات ذروتها في نهاية عقد الستينات من القرن العشرين ووجدت تجسدها في ثورات الطلبة في اوربا وامريكا مما ساعد على ظهور افكار جديدة استندت الى افكار مدرسة فرانكفورت وقامت وتبلورت هذه الافكار الجديدة في تيار حمل اسم اليساروية.