شظايا خيبة الامة!
اضحوي جفال محمد*
لم أُفاجأ بحجم الغضب الذي أشعلته منشوراتي الأخيرة عن انتقال الجولاني من الوهابية إلى الأشعرية، مع أني غير مسؤول عن الموضوع. فلا أنا الذي نصحته بهذا الانقلاب ولا أنا الذي أذعت الخبر. الجولاني هو الذي انخرط بإرادته في تلك المنظمات، ثم قرر بإرادته الانشقاق عنها، ثم قرر الإعلان عن موقفه. وتناول الإعلام، ونحن جزء منه، هذا الموضوع المثير، فلماذا غضب الغاضبون ولجأوا إلى الشتائم بدل النقاش الرصين؟. غضبهم نتيجة طبيعية لخيبة الامل. ولأن الخيبة كبيرة فمن الطبيعي أن تكون ردة الفعل بحجمها. والادهى من ذلك انهم لا يدرون أين يوجّهون مفردات هذا الاحتقان. فهم وبفعل هالة التعظيم التي أحاطوا بها الجولاني لا يستطيعون رمي انفعالاتهم الساخطة فوق رأسه، وراحوا يتعرضون لكل متحدث بالموضوع كي يفرغوا نحوه قيح صدورهم.
في هذا الزمن من الانحطاط كانت الامة تبحث عن بطل تفاخر به كما تفاخر كل الشعوب بأبطالها. وبسبب الانحراف المزمن وجدت ضالتها في ارهابي تبيّن لاحقاً أنه عميل ايضاََ. وبسبب الجهل المستشري منحوه كل مخزونهم من العواطف والتأييد دون ادّخار القليل منه لاحتمالات أن يطيش السهم. فقدسوه وألّهوه وخاضوا حروباً وهمية في الدفاع عن مكانته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. انها المقامرة الماحقة بكامل الرصيد.
هناك أمم تلتفّ حول بعض الشخوص ليس لأنهم جديرون بالالتفاف وانما لأنها لا تملك غيرهم في صدارة اضطرامها بحثاً عن المجد. فهل امتنا كذلك؟ في الحقيقة، ويا لها من مفارقة ربانية ان ظهور الجولاني تزامن مع ظهور أعظم وأسمى وأنبل قادة عرب عرفهم تاريخنا حاضراََ وماضياََ، انهم عمالقة المقاومة ضد الصهيونية، الذين سجلوا بمداد من أزكى الدماء ملاحم لم ينجب ولن ينجب الزمن نظيراََ لها. لقد هزّوا كرة الارض بأطواد عزيمتهم الشماء، وزلزلوا العالم من أقصاه إلى أقصاه، وغيّروا وجهه إلى الأبد. فنالوا إعجاب الشعوب طرًا، وألهموا المظلومين والأحرار في كل ارجاء الدنيا دروساً خالدة في معنى الشجاعة والكرامة والتضحية. وأصبحوا رموزاً راسخة في سجل البشرية جمعاء، حسَدَنا عليهم الأبعدون، وكان علينا كأمة مهانة وثائرة أن نكون اوفياء لعطائهم، وأن نُحلّهم المنزلة التي يستحقونها كأشرف وأعلى أقمار يهفو لرؤيتها البعيد والقريب على السواء. غير ان الذي حصل حُمق جمعي لم تشهد الإنسانية له مثيلاً من قبل.. فقد أعرضت الامة عنهم وزهدت بشموخهم الوضاء. وليتها اكتفت بالاستغناء عنهم وانما فعلت ما هو أشد نكالاً! لقد تخلت عنهم لايران دون مقابل، ودون مبرر، ووقّعت صك الاعتراف بملكية ايران لهم بمحضر شهود من جميع أنحاء المعمورة، وبايعت عوضاً عنهم إرهابياً ادار ظهره لأرضه المغتصبة بيد الإسرائيليين ويمّم وجهه شطر بلد عربي مجاور ليقتل ويدمر وينتهك.
بايعت الامة في عز تصاعد الامم صوب النور خارجياً بُعث من ظلمات الماضي، والحقيقة ان وصفه بالخارجي ثناء لا يستحقه. فالخوارج ورغم ضلالهم كانوا مؤمنين بمبدئهم، يقاتلون ويموتون دونه، فأين منهم ربيب دوائر المخابرات الاجنبية الذي اعلن فور تنصيبه بأيدي مشغليه ان محتلّي ارض سوريا حلفاء وان المدافعين عن تلك الارض اعداء.
فيا ايها المفجوعون بضياع الامل الزائف تمهلوا قليلاً، ولا تسرفوا في تبديد ما بحوزتكم من المفردات السوقية لمناسبات لم تأتِ بعد، ان موسم الفضائح ما يزال في أوله، ولن تتستر الأقدار الرعناء على طغامها، فالذي ظهر حتى الان ليس سوى قمة جبل الجليد، وبانتظاركم في جعبة الدهر كل ما يُرجى من عتاة الارهاب.
( اضحوي _ 2446 )
2026-09-21