سيناريوهات ودوروس الحدث المصري!
جمال الطاهات
-1- حدود الصراع على السلطة وخياراته
تمثل الأحداث في مصر امتحاناً للسمة المميزة للربيع العربي وهو غياب أي فرصة لإلحاق هزيمة نهائية بطرف سياسي مركزي. الثورات السابقة كانت تتضمن تكسير وتصفية النظام الحاكم في حال نجاح الثورة، أو تصفية الثورة في حال فشلها أو تقهقهرها. ما يجري في مصر قد يدمر الميزة الأهم للربيع العربي وهي التعايش بين أطراف الصراع. فثورات الربيع العربية – حتى الآن – هي لتكريس منطق التعايش بين مكونات الدولة. إذ إضافة إلى مخاطر أن يتمكن أي من أطراف الصراع من تحقيق نصر نهائي وحاسم ويستأصل خصومه، فإن مثل هذا الهدف يدمر أهم منجزات السنوات الماضية وهي فرض التعايش والتوازن الذي يضمن هذا التعايش كشرط للديمقراطية. فمع كل محاولات أطراف الصراع أن يدخلوا بصراعات صفرية خلال الحرب الباردة، لم يستطع أي طرف من أن يستأصل خصومه بشكل نهائي. ونتمنى أن يبقى هذا القانون يقود سلوك القوى المركزية في المشهد السياسي، وأنها تقر وتعترف بأنه لن يستطيع أي يطرف أن يحقق هدف استئصال الآخر في البيئة العالمية الراهنة. فكما أن الثورات لا تغير كل شيء دفعة واحدة هي تكتفي بسلوط المتخاصمين ولا تحتاج لاستئصالهم.
وهناك عدة ملاحظات تدفع للاعتقاد بأن الصراع في مصر، ليس استثناءً، ولا يتضمن سعياً لأي طرف لأن يحسم الصراع بإلحاق هزيمة نهائية بالطرف الآخر تتجاوز تغيير سلوطه وتغيير نمط تفكيره. الملاحظة الأولى توقف الهجوم الذي بدأ يوم 30 حزيران ضد الأخوان، والاكتفاء بعزلهم عن السلطة. هذا ربما نصف الاثبات. والربع الثالث للاثبات هو ما تشي به خطابات الأخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية، وما يتناثر من تصريحاتهم. أما الربع الأخير فهو سلوك الأخوان ضد خصومهم بعد أن تمكنوا من امتصاص الضربة الأولى، والبدء بالهجوم المضاد، هل سيلتزمون بما قدموه من إشارات، أم أنهم سيندفعون بغواية النصر، وهيمنة المنطق الأيديولوجي على انتزاع انتصارات حاسمة تتضمن استئصالاً واضعافاً مركزياً للخصوم؟ فالربع الأخير الذي سيثبت الطبيعة الاستراتيجية للصراع على السلطة في الربيع العربي، هو ما سيتم بلورته في الفصول الأخيرة من الحدث المصري الراهن.
والتساؤل الحاسم الآن، هو هل يستمر الإخوان المسلمون في الدفاع عن أنفسهم وعن حقهم في الحكم، ويتحولوا هم إلى موضوع أو خط مواجهة. عندها سيخسرون الصراع، وربما يؤدي سلوكهم إلى تغيير في قواعد وسمة الربيع العربي، ويتحلوا إلى نموذج جديد للبطولة والشهادة تصل إلى مستوى سيد الشهداء الحسين بن علي كرم الله وجهه. فهو عندما أصر على أن يكون حقه في الحكم موضوعاً للصراع تمت محاصرته، ولم يتمكن من التراجع، وتشكلت ضرورة المآساة في كربلاء. والتي رغم بطولة الموقف وعظمته، إلا أنه لم يساهم في تخفيف حدة الانقسام، بل كرس الانقسام وعززه بخطوط لم نتمكن من تجازها حتى هذا الزمان.
فرصة الإخوان المسلمون في النصر في مصر مرهونة بقدرتهم على أن يصطفوا دفاعاً عن القيم العليا لمصر والتي تتمثل بحرية مصر وديمقراطية مصر، وعقلانية الدولة في مصر. وجوهر المعركة التي يمكن لهم أن يكسبوها هي معركة الدفاع عن قواعد الدولة في مصر. وهذا يتضمن تفكيك التحالف الذي تشكل ضدهم ليس دفاعاً عن الإخوان المسلمين بل دفاعاً عن وحدة الشعب المصري، وعن قواعد الدولة والسلطة في مصر.
إذ انطلق الأخوان المسلمون في مصر من حقيقة أن الدولة شكل للسلطة وليس بلازما سلطة. وتبلور هذا في خطابهم وفي إدارتهم لمشهد الصراع، عندها سيكون ممكناً تفكيك الاصطفافات التي تشكلت عشية 30 حزيران، وسوف يستطيعون بناء اصطفافات جديدة، ليس من أجل تكريس تبعية الآخرين للأخوان – فهذا هدف غير ممكن وغير متاح -، ولكن في الدفاع عن وحدة الشعب المصري، وعن سيادة قواعد الدولة والسلطة فيها.
وهذا يتضمن بروز صوت من الكنيسة القبطية، لا يدافع عن الإخوان، بل يدافع عن وحدة الشعب المصري. صوت يخاطب البابا تواضروس بوضوح: لن نكون ضد الأخوان لأنهم أخوان. نحن ضد التعصب وضد الاقصاء وضد توريط الكنيسة بأي دور للتنافس على السلطة. وكان الأولى بالمرشد العام للأخوان أن يذكر البابا ليس فقط بمواقف ومبادئ البابا الراحل شنودة التي يصر بها على مصرية الكنيسة القبطية، ولكن بحقيقة وجود أقباط في مكتب إرشاد الأخوان المسلمين في مراحلهم الأولى. فهذا من شأنه أن يرسل رسالة طمأنة للصوت الجديد والمأمول أن يبرز بسرعة لإخراج الكنيسة من الصراع على السلطة.
مهمة الكنيسة والازهر هي حماية قواعد التنافس على السلطة وليس الدخول كوسائل في هذا التنافس. وبروز صوت آخر من الأزهر لا يؤسس للتبعية للأخوان، بل يؤسس لدور فعال للأزهر في حماية قواعد ممارسة السلطة في الدولة. وأنه مع الكنيسة ومع الجامعات الأخرى في مصر يحمي القيم العليا للدولة ويحمي هويتها. فهوية الدولة هي ناتج قيمها العليا المركزية وناتج الشراكة في هذه القيم. وهي ليست موضوعاً للعمل الحزبي ولكنها قواعد مستقرة وآمرة وناظمة لكل الأطراف. فالكنيسة والأزهر حراس لهذه الهوية، ولن يكونوا جزءاً من الصراع على السلطة.
عندها سيكون التحالف السياسي الذي استدعاهما قد بدأ بالتفكك، وستكون قيادة الجيش التي ورطتهما في موقف ضعيف يتطلب التبرير والتشرخ والتفسير. ولكن ليس من أجل تمكين الإخوان من الإطاحة بخصومهم، وإنما يكون الإخوان في قيادة مشروع تكريس مبادئ الديمقراطية والتعايش في مصر. وهذا هو إحدى السيناريوهات التي تؤسس لخروج الأخوان من الهزيمة التي تعرضوا لها، ليس عبر الارتداد الغرائزي نحو التصلب، ولكن عبر طرح مشروع دولة كل المصريين وقيادة هذا المشروع، وإلحاق الهزيمة بمنطق الإقصاء بمصر، وليس بالعمل على إقصاء بعض الأطراف انتقاماً منهم لأنهم حاولوا اقصاء الإخوان المسلمين.
2022-07-09
