سياسة الدولار المزدوج في العراق: من السياسة النقدية إلى الأمتياز الطبقي..!!
غيث العبيدي*
«دولار الجادرية ودينار الفقراء، كيف يمول الفقراء جيوب الفاسدين؟»
▪️المقدمة :
إن ما يجري في العراق لا يمكن توصيفه كأزمة سعر صرف، بل كتحول بنيوي من دولة راعية إلى دولة جابية، ومن إقتصاد موحد إلى إقتصاد أمتياز.
الدولة تخلق سعرين لعملة واحدة: سعر مدعوم مغلق لشبكة مصالح ضيقة في الجادرية، وسعر سوق حر مفتوح يتحمل كلفته عموم الشعب.
وهذا المقال يدمج ثلاثة مستويات للتحليل وهي، مستوى الطبقة الوسطى، ومستوى الفئات الهشة بلا دخل ثابت، ومستوى البعد الإقليمي المرتبط بمكاتب أنصار الله في العراق وتأثيره على اليمن.
▪️آلية النهب الصامت بين دولار المدعومين ودولار المسحوقين.
جوهر السياسة الحالية في العراق هو خلق فجوة مقصودة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء، وهذه الفجوة ليست خللاً، بل هي مصدر ربح هائل.
ففئة المدعومين هم شبكات محدودة من شركات الصرافة والمصارف الأهلية المرتبطة بالدولة والأحزاب، تحصل على الدولار بالسعر الجديد بحجة الاستيراد، ولا تستورد، وتبيع نفس الدولار في السوق السوداء وبالسعر الجديد أيضآ، وبهامش ربح هائل.
هذا الهامش هو أكبر عملية نقل ثروة منظمة من جيب الشعب إلى جيب الشبكات، وبقرار رسمي من حكومة الزيدي ومحافظ البنك المركزي العراقي.
وفئة المسحوقين، وهم عامة الشعب العراقي الذين يجبرون على شرائه من السوق السوداء.
الدولة هنا لا تبيع عملة، بل تبيع أمتياز الوصول للعملة. ومن يملك الإمتياز يزداد ثراء دون إنتاج، ومن لا يملكه يزداد فقراً رغم عمله.
▪️تداعيات الإنهيار على الطبقة الوسطى – تفكيك العمود الفقري للدولة.
الطبقة الوسطى هي حاملة الدولة في علم الاجتماع السياسي.
وتأثير رفع سعر صرف الدولار عليها يتمثل في تآكل القوة الشرائية بينما الراتب ثابت وبالدينار العراقي، لكن الحاجات مسعرة بالدولار. هذا يعني أستقطاعاً غير تشريعي، ولا يحتاج لموافقة البرلمان.
والموظف يكتشف أن جهده الشهري يشتري سلة أقل من السابق، فيتحول من منتج إلى باحث عن وظيفة ثانية أو رشوة للبقاء.
▪️ تداعيات خطره، من يملك راتباً يخسر جزءاً منه ومن لا يملك راتباً يخسر حياته.
الخطأ في التحليلات السابقة أنها ركزت على أصحاب الدخول العليا. بينما المتضرر الحقيقي هم الأغلبية الصامتة التي لا تظهر في بيانات البنك المركزي العراقي مثل، المواطن بلا راتب، والعامل اليومي، وسائق الستوتة، وبائع الخضار. هؤلاء أجورهم اليومية بالدينار العراقي، لكنهم يشترون في نفس اليوم كل موادهم الغذائية المسعرة بالدولار، هؤلاء لا يجوعون نسبياً كالموظف، بل يجوع فعلياً كل يوم.
أما المستفيد من شبكة الحماية الاجتماعية، كالأرملة، والمطلقة والمسن والمعاق. إعانة هؤلاء ثابتة بالدينار العراقي، وعندما يرتفع الدولار، إعانتهم تبقى أوراق بلا قيمة، فتتحول شبكة الحماية الأجتماعية من شبكة أمان إلى شبكة وهم، فتفقد الدولة وظيفتها الأخلاقية.
ويتحول الفقر إلى الجريمة، فعندما يصبح البقاء بالعمل الشريف مستحيلاً، يلجأ الكثيرون إلى ممارسة الأعمال غير القانونية، لذلك سياسة السعرين لا تخلق فقراً فقط، بل تخلق إقتصاد جريمة.
▪️البعد الإقليمي :
وهنا تلتقي المسارات بين الإقتصادي والأمني، وبحسب تقارير إستخبارية نشرتها العربية والحرة سابقاً، تمتلك جماعة أنصار الله اليمنية ممثلية لها في الجادرية، يديرها أبو إدريس الشرفي، ومقرات بغطاء إقتصادي في جرف الصخر وكربلاء والنجف حسب التقارير التي وردت من القناتين أعلاه.
هذا الوجود إستخدمته أمريكا كذريعة أتهمت من خلالها مصارف عراقية بتهريب الدولار لأنصار الله، وفرضت المنصة والقيود عليهم، وأجبرت الحكومة على تجفيف السوق ورفع سعر صرف الدولار.
النتيجة أن الحكومة نفذت قصفاً مالياً بأوامر أمريكية، فرفعت سعر الصرف، وإستخدمت دولارها كسلاح لمنع المقاومة من الحصول على السلاح، لذلك يمكننا القول بأن رفع سعر الصرف في هذا التوقيت بالذات لم يكن إقتصادياً، بل سياسياً بإمتياز، لكونه جاء بعد تصاعد عمليات المقاومة في اليمن ضد السعودية وحلف مكة سيئ الصيت، برسالة أمريكية واضحة، جوعوا شعبكم وأخنقوا المقاومة أو نمنع عنكم دولار النفط.
▪️الخاتمة :
إن سياسة الدولار المزدوج ليست سياسة نقدية خاطئة قابلة للإصلاح ببيان حكومي، هي سياسة طبقية متعمدة لإعادة توزيع الثروة بشكل عكسي، من الفقراء بلا رواتب والطبقة الوسطى المنهكة، إلى شبكة مدعومة تزداد ثراء كل يوم.
والدولة التي تمنح الدولارات للفاسدين في الجادرية، والدنانير الضعيفة للفقراء من عامة الشعب، وتترك أرملة الحماية الاجتماعية تواجه السوق وحدها، هي دولة أختارت علناً أن تحمي الغني من التضخم وتترك الفقير يواجهه. وبالمحصلة النهائية، كل من يفقد عملته وقدرته على إطعام أطفاله، سيفقد ولاءه للدولة التي طبعت تلك العملة.
وبكيف الله.
ـ كاتب عراقي مستقل
2026-10-08