سوريا بين فقدان هوية الدولة وصراع المصالح!
توفيق سلاّم
الأوضاع في سوريا تعكس تعقيداً جيوسياسياً بالغاً نتيجة تداخل المصالح الإقليمية والدولية، فضلاً عن التشابكات الداخلية بين الطوائف والجماعات المسلحة. ومنذ سقوط نظام الأسد، شهدت البلاد تحولات جذرية في موازين القوى، حيث لم تستطع أي جهة منفردة فرض سيطرتها المطلقة على كامل الجغرافيا السورية. هيئة تحرير الشام، رغم قوتها العسكرية في الشمال الغربي، لم تنجح في تجاوز حدودها التقليدية، في حين يسيطر الأكراد على مناطق شمال شرق البلاد، مدعومين بتحالفات مع الولايات المتحدة، التي تنظر إلى هذه المناطق كركيزة لمصالحها الاستراتيجية. إذ يشهد إقليم كردستان العراق توترات متصاعدة، حيث أرسلت قوات “التحالف الدولي” تعزيزات عسكرية عبر معبر الوليد الحدودي مع إقليم كردستان العراق إلى قواعدها في مناطق شمال وشرق سوريا، التي تشهد مواجهات دامية.
تحولات ديناميكية
في المقابل، فإن عودة ظهور بعض الجماعات المسلحة في مناطق مثل طرطوس وحلب وحماة، فهناك تحولات ديناميكية داخل القوى المحلية التي كانت جزءاً من النظام السابق، بمعنى أن هناك لاعبين جدد في المشهد، بالإضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الجنوب السوري، تبرز إسرائيل كلاعب رئيس، حيث تسيطر على هضبة الجولان، وتتوسع في عمق الأراضي السورية في الجنوب، لتحتل القنيطرة وأجزاء من أرياف درعا وجبل الشيخ، وغيرها من المناطق ما يعكس استراتيجيتها المزدوجة في تأمين حدودها الشمالية واستثمار حالة الفوضى لتعزيز نفوذها الإقليمي. هذا التدخل الإسرائيلي يتماشى مع مشروعها الاستراتيجي المتمثل في بناء “إسرائيل الكبرى”، الذي يعتمد على تفتيت الدول المحيطة بها وتحويلها إلى كيانات ضعيفة ومقسمة على أسس طائفية وعرقية.
صراعات داخلية
لا يبدو في القريب أن سوريا ستستعيد عافيتها، ووجهها لا يبدو أكثر وضوحًا، إذ نرى فيها حجم التنوع الفريد في مكوناتها. فالشام واحد حقًا، لكن الشوام ليسوا كذلك، فالأغلبية من المسلمين السنة، ولغة الجميع عربية، وإن احتفظ البعض منهم باللغة الكردية، والبعض الآخر بالآرامية. والتعدد الأكبر في الأعراق والإثنيات إلى جانب اختلاف الملل والمذاهب، إذ يتوزعون بين الأكراد والعلويين والشيعة والسريان الآشوريين والشركس والأرناؤوط والدروز الإسماعيليين والعباسيين والامويين والمسيح. وتتوازى هذه الاختلافات العرقية والملّية مع تعدد الانتماءات الفكرية والسياسية. فمن بينهم معتدلون ودراويش ومتطرفون ومتَصوفون ومؤمنون ويساريون. والاتجاه الإسلامي قوي وله حضوره التاريخي بين الجماهير، كما أن الاتجاه العلماني قوي أيضًا، وأنصاره أكثر حضورًا بين المثقفين. وبين هذا التنوع يبدو الصراع على أشده، حيث تتصاعد التوترات بين هيئة تحرير الشام والأكراد، لاسيما مع حجم التعزيزات الكبيرة التي تقوم بها إدارة العمليات العسكرية على مناطق الأكراد في شمال شرق سوريا، تؤشر إلى صراع داخلي جديد يتغذى من الدعم الخارجي، حيث تعتبر تركيا الداعم الرئيس، لهيئة تحرير الشام، وفصائل مسلحة في الشمال الغربي، لتحقيق أهدافها، في مواجهة الأكراد في مسعى منها لاجتثاثهم، واستئصال شأفتهم، فهم بالنسبة لها يشكلون تهديداً على أمنها القومي. الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل تدير هذا الصراع بطريقة تضمن استمرار حالة عدم الاستقرار، ما يسمح لهما بتحقيق مكاسب جيوسياسية في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة.
الخطر الأكبر يكمن في إمكانية إطلاق عناصر تنظيم داعش من السجون، ومن المناطق التي تتواجد فيها، وهو ما يفتح الباب أمام عودة التنظيم كلاعب رئيس في الصراع. هذه الخطوة قد تكون مقصودة من قبل جهات خارجية ترغب في تعزيز حالة الفوضى، أو لإضعاف القوى المحلية التي تهدد مصالحها. إذا ما عاد التنظيم للواجهة، فإن تأثيراته لن تقتصر على سوريا فحسب، بل قد تمتد إلى دول الجوار إلى العراق، واليمن والأردن، وحتى مصر ولبنان، ما يؤدي إلى اتساع دائرة الصراع.
الدور التركي في هذا السياق يبدو مزدوجاً، فهو يسعى إلى تحقيق مصالح قومية مباشرة، لكنه في الوقت ذاته، هو جزء من اللعبة الدولية التي تغذي الصراعات الداخلية، والأهم منع قيام كيان كردي مستقل، وهذا يعني أن تركيا تعزز حالة الانقسام الداخلي عبر دعمها لفصائل في مواجهة الأكراد وتتنافس مع هيئة تحرير الشام، ما يزيد من تعقيد المشهد.
إسرائيل، من جهتها، ترى في استمرار الصراع السوري فرصة استراتيجية لتوغلها واحتلالها للأراضي السورية وتدمير مقومات الدولة وبنيتها العسكرية، في استثمار لحالة الفوضى التي تجعل من الصعب على أي قوة إقليمية بناء جبهة موحدة قادرة على تهديدها. كما أن تفتيت سوريا إلى كانتونات طائفية وعرقية يتماشى مع أهداف إسرائيل طويلة المدى لتأمين حدودها وتعزيز هيمنتها في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن إسرائيل تستغل هذه الحالة لتنفيذ استراتيجيتها الاستيطانية في الجولان المحتل، وتحقيق توازنات جديدة في المنطقة تتماشى مع مشروعها “إسرائيل الكبرى”.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن سوريا تتحول إلى مسرح للصراع بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تتقاطع مصالح الدول على حساب استقرار البلاد ووحدتها. هذا الصراع لا يهدف فقط إلى إعادة رسم خريطة سوريا، بل يمتد ليشمل المنطقة بأسرها. إعادة رسم الحدود على أسس طائفية وعرقية تخدم مصالح القوى الكبرى وإسرائيل، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام مزيد من العنف والفوضى، ما يجعل المنطقة بأكملها عرضة لتصعيد طويل الأمد.
تشظي جغرافي وطائفي
الوضع في سوريا يعكس أزمة معقدة، تمتد جذورها إلى التداخل العميق بين العوامل الداخلية والخارجية. وسوريا ليست فقط ضحية لصراعات محلية ناتجة عن انهيار النظام المركزي، بل أيضاً ساحة لمعارك بالوكالة تخدم أجندات القوى الإقليمية والدولية. ويبدو أن القراءة المستقبلية لهذه الأوضاع تتطلب النظر إلى عدة عوامل تؤثر بشكل مباشر في صياغة مستقبل سوريا الجديدة.
الانقسام الحاصل بين القوى المسيطرة على الأرض يعكس تحول سوريا إلى فسيفساء من المناطق التي تديرها أطراف متعددة: الأكراد في الشمال الشرقي، هيئة تحرير الشام في الشمال الغربي، وفصائل من القوى المناهضة للسلطة الجديدة. استمرار هذا الانقسام قد يؤدي إلى ترسيخ فكرة الكانتونات أو المناطق شبه المستقلة، ما يعني غياب دولة مركزية قوية في المستقبل القريب. فالعلاقة المتوترة بين هيئة تحرير الشام والأكراد، إضافة إلى عودة نشاط تنظيم الدولة الاسلامية المحتمل. بمعنى أن الصراعات الداخلية ستستمر في استنزاف الموارد البشرية والمادية، في ظل غياب توافق بين هذه الأطراف سيجعل من الصعب تحقيق أي نوع من الاستقرار الداخلي. لاسيما مع الانهيار الاقتصادي، وتدمير البنية التحتية، وهجرة ملايين السوريين، وارتفاع معدلات الفقر. هذه الأوضاع تمثل تحدياً هائلاً أمام أي حكومة أو سلطة مستقبلية تحاول إعادة بناء البلاد.
أدوار خارجية
الولايات المتحدة وتركيا تديران الصراع بما يخدم مصالحهما الاستراتيجية، مع إبقاء حالة عدم الاستقرار في البلاد للضغط على روسيا برفع قواعدها من سوريا. في المستقبل، قد تسعى هذه الدول إلى تكريس فكرة المناطق العازلة أو المحميات، خاصة في الشمال السوري. ويبدو أن الوجود الروسي، لم يعد بذلك الأهمية، بعد سقوط نظام الأسد، وسحب روسيا العديد من قطعها العسكرية، والقيادات الهامة وخبراء الجيش، وتواجه القواعد الروسية تحديات اقتصادية وعسكرية بسبب الضغوط الدولية، وبات من الواضح بأن استمرار التواجد الروسي في سوريا مكلف للغاية، مما قد يدفعهما إلى إعادة ترتيب أولوياتها في المستقبل، خاصة إذا لم تحصلا على مكاسب اقتصادية ملموسة.
سيناريوهات ممكنة
1.الاستمرار في الوضع الراهن (دولة ضعيفة ومقسمة)، قد تظل سوريا مقسمة فعلياً بين قوى متعددة، مع غياب أي سلطة مركزية قادرة على فرض سيطرتها. هذا السيناريو يخدم مصالح القوى الخارجية، لكنه يعني استمرار معاناة الشعب السوري.
2.اتفاق سياسي دولي وإقليمي
3.في حال توصل القوى الكبرى (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وتركيا وقطر) إلى تسوية شاملة، قد تشهد سوريا مرحلة انتقالية نحو إعادة تشكيل النظام السياسي. لكن هذا السيناريو يتطلب تنازلات صعبة من جميع الأطراف، خاصة فيما يتعلق بمصير النظام الحالي ووضع الأكراد، وانسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها في هضبة الجولان وفي الجنوب السوري.
4.في حال تفاقم الأوضاع واستمرار الصراعات، قد تتحول سوريا إلى ما يشبه “دولة فاشلة” بالكامل، مما يزيد من التدخلات الخارجية ويؤدي إلى انتقال الفوضى إلى دول الجوار مثل العراق ولبنان، وإلى دول أخرى في المنطقة.
تحديات
غياب الدولة المركزية يتطلب جهوداً جبارة لإعادة بناء المؤسسات الحكومية والأمنية، وهو أمر يتطلب دعماً دولياً وإقليمياً لا يبدو متاحاً حالياً، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة، سواء كانت طائفية أو عرقية أو سياسية، يجعل المصالحة الوطنية تحدياً رئيسًا، لتجاوز الماضي المليء بالصراعات والدماء يتطلب قيادة حكيمة قادرة على تحقيق العدالة الانتقالية، وبناء دولة ديمقراطية حديثة.
ختامًا، سوريا تقف عند مفترق طرق تاريخي. مستقبلها يعتمد على قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية، وإيجاد حلول سياسية شاملة تستوعب جميع الأطراف. لكن هذا الهدف يصطدم بمصالح القوى الخارجية التي تسعى لإبقاء البلاد في حالة فوضى.
النهوض بسوريا الجديدة يتطلب جهوداً محلية ودولية ضخمة، وإرادة سياسية صلبة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وبناء نظام ديمقراطي يستوعب كل الشرائح والطوائف والتيارات السياسية في الحكم، ومن دون ذلك، ستظل سوريا ضحية للصراعات الإقليمية والدولية، مع استمرار معاناة شعبها لعقود قادمة.
2025-01-01