من يملك الصورة بعد أن تصل؟
من السجادة الحمراء إلى الذاكرة… ومن سؤال النجاة إلى سؤال من سيحكي الحكاية
غانية ملحيس*
قرأت مقال يحيى بركات ” حين تصبح الخيمة قاعة سينما ” ثم قرأت مقال مصطفى النبيه الذي تناوله، وشعرت أنني أمام مقالين لا يختلفان بقدر ما يكمل أحدهما الآخر.
يحيى بدأ من الخيال. تخيل سجادة حمراء تمتد بين الخيام، وعربات تجرها الحمير تتحول، لليلة واحدة، إلى سيارات ليموزين، وخيمة تتحول إلى قاعة سينما، بينما تبقى الزنّانة في السماء، كأنها الكاميرا الأخرى التي تراقب المشهد كله من فوق.
ثم جاء مصطفى من قلب المشهد ليقول له: لم تكن بحاجة إلى كل هذا الخيال يا صديقي. لقد حدث شيء قريب من ذلك فعلا. لكن هناك شيئا لم تره.
عربة لم تحمل فنانين إلى المهرجان، بل حملت شهداء كانوا يبحثون عن حفنة طحين.
هنا بالضبط يتغير معنى الصورة. فما بدأ عند يحيى كاستعارة سينمائية، عاد مصطفى ليضعه أمامنا بوصفه تجربة معيشة.
السجادة الحمراء موجودة، والخيمة موجودة، والحمار موجود، والفيلم موجود، لكن الموت أيضا موجود.
وربما هذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها أكثر: كيف يستطيع الإنسان أن يصنع صورة للحياة، وهو ما يزال يعيش داخل الخطر الذي يهددها؟
يحيى سأل: ما الذي يدفع إنسانا يبحث عن الماء والخبز إلى أن يبحث أيضا عن صورة؟
ومصطفى أجاب من داخل التجربة: لأن السينما تعني لهم الحياة.
أظن أن الإجابة تفتح الباب، لكنها لا تكفي؛ لأن السؤال أعمق من أن يكون عن السينما وحدها. إنه عن الإنسان نفسه.
الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، لكنه لا يستطيع أن يصنع الصورة من دون الخبز أيضا. ولا يستطيع أن يحلم وهو جائع بالسهولة نفسها التي يحلم بها وهو آمن.
ومع ذلك، يحدث شيء غريب في لحظات الانهيار الكبرى: حين تتهاوى الأشياء الأساسية، تبدأ بعض الأشياء التي كنا نظنها ثانوية في اكتساب معنى جديد.
تصبح الصورة ضرورة، والذاكرة ضرورة، والحكاية ضرورة. ويصبح أن تقول «هذا ما حدث لنا» فعلا لا يقل أهمية عن أن تقول «نحن هنا».
ربما لهذا لم تكن الكاميرا في غزة مجرد أداة لتسجيل الحرب، بل كانت أداة لإثبات أن الذين يعيشون الحرب ما يزالون يمتلكون حياة داخلها.
فالكاميرا التي تسجل الجدار المهدوم تقول: هنا حدث دمار. لكن الكاميرا التي تلتقط يد أم وهي تمشط شعر ابنتها في الخيمة تقول شيئا آخر: هنا، وسط الدمار، كانت هناك حياة أيضا.
والفيلم الذي يصور شخصا قبل موته، وهو يضحك أو يعمل أو يحب أو يخطئ، يعيد إليه شيئا من وجوده الذي تختصره نشرات الأخبار في رقم.
وهنا تبدأ أهمية ما كتبه مصطفى عن الصورة بوصفها ذاكرة. فالذاكرة ليست أرشيفا للماضي فقط؛ الذاكرة أيضا مقاومة لاختصار الإنسان.
لكنني أريد أن أذهب خطوة أبعد من المقالين. إذا كانت الصورة ذاكرة، فالسؤال ليس فقط: من يصنع الصورة؟ بل: ماذا يحدث للصورة بعد أن تصل؟
هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الفيلم حين يخرج من غزة ويدخل مهرجانا دوليا، فإنه لا يخرج فقط من مكان إلى مكان. إنه ينتقل من سياق إلى سياق.
من جمهور يعرف معنى الخيمة والطحين والنزوح، إلى جمهور قد يعرفها بوصفها صورا أو أخبارا أو مفاهيم. وهنا تحدث عملية ثانية لا تقل أهمية عن صناعة الفيلم نفسه: عملية القراءة.
قد يصنع المخرج فيلما عن إنسان محدد، فيراه أحدهم فيلما عن الحرب.
وقد يصنع فيلما عن الحب، فيبحث آخر عن السياسة.
وقد يصنع فيلما عن حمار، فيراه ناقد بوصفه استعارة، بينما قد يكون الحمار، بالنسبة إلى صانعه، حمارا فعلا عاش معه الطريق والجوع والخوف.
وهذه ليست مسألة بسيطة. فالسينما تمنح الإنسان حق أن يروي قصته، لكنها لا تضمن له أن الآخرين سيقرؤونها بالطريقة التي أرادها. وهنا تبدأ معركة أخرى: معركة المعنى.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن الصورة باعتبارها «ألف كلمة». لكنني أحيانا أشعر أن المشكلة في الصورة ليست أنها تقول ألف كلمة؛ المشكلة أنها قد تسمح لألف شخص بأن يقولوا عنها ألف كلمة. من هنا تبدأ مسؤولية المتلقي. فالمشاهد ليس بريئا تماما من صناعة المعنى.
حين يشاهد صورة إنسان تحت الركام، ماذا يرى؟ جسدا؟ ضحية؟ رقما؟ خبرا؟ أم إنسانا له اسم ووجه وذاكرة وحياة كانت قائمة قبل أن تصل الكاميرا؟
وحين يشاهد مخرجا فلسطينيا في خيمة، هل يرى فنانا؟ أم يرى «رمزا للصمود»؟
وهنا أخشى أن نرتكب خطأ آخر ونحن نحاول أن ننصف الصورة: أن نحول أصحابها إلى رموز.
الفلسطيني ليس مطالبا دائما بأن يكون رمزا. والمخرج الغزي ليس مضطرا في كل فيلم أن يمثل غزة. والمرأة الفلسطينية ليست مطالبة بأن تكون دائما صورة للمعاناة. والحمار ليس مضطرا أن يكون استعارة للحرب. والطفل ليس مضطرا أن يحمل على كتفيه معنى القضية كلها.
ربما تكون إحدى أهم وظائف السينما أن تعيد إلى الإنسان حقه في أن يكون عاديا؛ أن يكون معقدا ومتناقضا، وأن يضحك في وقت لا يليق فيه الضحك، وأن يغضب من أخيه، وأن يحب ويكره، وأن يخطئ وأن يكون أنانيا أحيانا، وأن يحلم بشيء لا علاقة له بالحرب.
وهذا، في رأيي، ليس ابتعادا عن القضية، بل استعادة للإنسان الذي قد تبتلعه القضية إذا اختصرناه فيها.
مصطفى يتحدث عن مدرسة للسينما، وهذه ربما، بالنسبة لي، أهم جملة في مقاله كله. ليس لأنها تتحدث عن تدريب أحد عشر مخرجا ومخرجة فقط، بل لأنها تنقل السؤال من: كيف نصور ما يحدث الآن؟ إلى: من سيصور ما سيحدث بعد ذلك؟
وهنا يتحول الأمر من مقاومة الغياب إلى صناعة المستقبل. جيل يتعلم الكاميرا اليوم قد يصور غدا أشياء لا نستطيع نحن حتى تخيلها.
وقد يأتي يوم لا تكون فيه الخيمة هي الموضوع، ولا الركام، ولا الحرب. وقد يصور هؤلاء الشباب مقهى، أو قصة حب، أو مباراة كرة قدم، أو مدرسة، أو عائلة تتشاجر على ميراث، أو امرأة تريد أن تفتح مشروعا، أو رجلا في الستين يحاول أن يتعلم العزف.
وقد يكون أجمل ما يمكن أن يحدث للسينما الفلسطينية أن تصل يوما إلى اللحظة التي لا تضطر فيها في كل مرة إلى شرح لماذا تستحق الحياة.
فالحياة لا تحتاج دائما إلى مرافعة. أحيانا تحتاج إلى فيلم، فقط فيلم.
لهذا أعتقد أن ما يحدث اليوم يتجاوز مسألة المهرجانات والجوائز.
المهرجان مهم، والجائزة مهمة، والوصول إلى فينيسيا أو كان أو تورنتو مهم. لكن هذه كلها محطات.
أما المسألة الأعمق فهي: هل نستطيع أن نبني ذاكرة بصرية فلسطينية لا تعتمد على الآخرين في حفظها؟
وهنا يصبح مشروع المدرسة السينمائية أكثر من دورة تدريب، ويصبح أرشيف الأفلام أكثر من مجموعة أعمال، ويصبح كل هاتف يحمل تسجيلا من غزة وثيقة محتملة. كل شريط فيديو قديم يمكن أن يصبح جزءا من ذاكرة مدينة، وكل صورة عائلية قد تحمل، بعد عشرين عاما، ما لا تستطيع الكتب الرسمية أن تحمله.
ولهذا فإن المعركة على الصورة ليست فقط مع من يصورنا؛ إنها أيضا مع النسيان، ومع التلف، ومع ضياع الملفات، ومع موت أصحابها، ومع غياب المؤسسات القادرة على حفظ المواد، ومع مرور الزمن الذي يحول الشاهد إلى ذكرى، والذكرى إلى رواية، والرواية إلى احتمال.
لذلك، ربما نحتاج إلى شيء أكبر من صناعة الأفلام: نحتاج إلى بناء ذاكرة سينمائية فلسطينية؛ أرشيف يحفظ الأفلام، والنسخ، والمواد الخام، والشهادات، وأسماء المخرجين والمصورين والممثلين والتقنيين، وتواريخ التصوير وأماكنه والظروف التي صنعت فيها الأفلام.
لأن الفيلم النهائي ليس كل الحكاية. أحيانا تكون اللقطة التي حذفها المخرج أكثر أهمية بعد ثلاثين عاما من اللقطة التي أبقاها.
لقراءة المزيد ..اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/97338
2026-09-24