ساعة في ساحة التحرير!
ابو زيزوم .
مع خيوط الشمس الاولى نزلت مع شارع السعدون نحو الباب الشرقي بحثاً عن طبق قيمر بالعسل او كاهي بالقيمر أطوي به ليلةً ليلاء قضيتها في احد فنادق البتاوين المتهالكة . فانقطاع الكهرباء وضجيج السكارى وتلال الزبالة على ضفّتَي شارع المشجر أصابتني بدوخة وتيبس في الحلق وانحلال في البدن ، وهي الاعراض التي شكا منها علي قلندس عندما افترسته كورونا . فساورني القلق من اصابة ماحقة تخللتني من هذا الوسط الموبوء . وبما اني بعد القيمر والكاهي سأتوجه الى مستشفى اليرموك لإستلام نتيجة الفحص استعداداً للسفر اصبحت شبه متأكد بأن النتيجة لن تكون سليمة والسفر لن يتحقق .
أفقت من تأملاتي على وقع الهدوء الكثيف يملأ مداركي ، فالهدوء مخيف احياناً كالصراخ . وأن يلفك الهدوء وأنت في الباب الشرقي صباحاً لهو امر مريب . نظرت حولي فلم اجد أحداً فباغتني شعور جنديٍ توغل خطأً في ارض العدو وبات التراجع كالتقدم محفوفًا بالمخاطر .
انا العادي الوحيد بين ثلاث فئات من البشر غير العاديين تحيط بالمكان : مصورون بسيقان كاميراتهم الطويلة محتشدون على باب احد المختبرات ، وقوات مكافحة الشغب بالأتراس والهراوات تطوق حديقة الامة ونصب التحرير ، ومتظاهرون بلافتات معادية للفساد يقتربون من جهة شارع الجمهورية ، وانا بينهم اتوقع منادياً ينادي : هل من مبارز … قبل ان تنقض الجموع على بعضها . الرصيف امامي خالياً حتى ساحة الطيران ، غير اني متوجس من التقدم اكثر بعد فقداني الامل بالكاهي والقيمر . كنت اتلفت والتلفت بحد ذاته يثير الشبهات في مثل هذا الموقف . وتقدم صوبي ضابط صف بلا هراوة او مجن وسألني بهدوء : انت متظاهر ؟. كادت لفظة النفي ان تفلت من فمي دفاعاً عن النفس ، لكني استدركت وتأنيت لأن للكلمة وقعاً طيباً على الانترنيت . ولم ينتظر الرجل جوابي وطلب مني التوجه الى حاملي اللافتات وإبلاغهم ان لا يقتربوا اكثر !. انتبهت الى اني قد حسرت الاردان عن معصميّ استعداداً لعملية التكبيل التي اعتقدت ان ضابط الصف المعادي للشغب سيقوم بها ، لقد افترضت اني مشاغب دونما سبب وجيه . اما الان وقد بت مكلفاً بمهمة دبلوماسية فقد توجهت نحو ذلك العدد القليل من طلائع المتظاهرين لإبلاغهم رسالة الحكومة .
أبلغتهم الرسالة حرفياً بما فيها الحركات ، اذ كان مكافح الشغب يمد يده اليمنى مطوية الابهام ويهز رأسه هزة واحدة بعد كل كلمتين ، ففعلت ذات الشيء وانا أتلو الرسالة على اسماعهم . كبيرهم كهل وقور بملابس رثة قد وخط الشيب فوديه ، تبسم ابتسامة خفيفة وسألني : من قال لك اننا متظاهرون ؟. أشرت الى اللافتة العريضة بجانبه منقوش عليها بخط الثلث ( كلا كلا للفساد ) وقلت : هذي . اتسعت بسمته اكثر وقال : نحن عمال حرفيون نبيع اللافتات لمن يرغب في التظاهر . فاجأني قوله ويبدو انه لاحظ المفاجأة على وجهي فأردف موضحاً : توقفت اعمالنا بسبب المظاهرات فقررنا الاستثمار في الساحات بتوفير احتياجات المتظاهرين . قلت : ومن قال لكم ان هذا الشعار هو المطلوب لمظاهرة اليوم ؟ قال : لدينا كل الشعارات ، واشار فاستدار بصري مع يده الى معرض زاخر بما لذ وطاب من ادوات الثورة تغري حتى عابر السبيل مثلي برفع إحداها والزحف الى مكافحة الشغب . بعضها يسب ايران وبعضها يسب امريكا او السعودية او اسرائيل او تركيا او فلان وفلان من السياسيين . ولما رآني استعرضها بانبهار قال مشجعاً : هل اختار لك واحدة ؟ واضاف : هذي الصغيرة بثلاثة آلاف فقط . مكتوب عليها ( يسقط السيسي ) قلت مازحاً : لا ، اريد ( يسقط مبارك ) . ويبدو انه حمل كلامي على محمل الجد ونادى بأعلى صوته ( حمودي حمودي ) وأقبل حمودي من معسكر المصورين ، فأمره بخلع الكامرة والركض لجلب لافتة حسب طلبي . وقال موضحاً : هذا حمودي ابني . قلت : يا ابا حمودي انا مسافر ولا شأن لي بالموضوع سأعبر الان الى مستشفى اليرموك لأخذ نتيجة الفحص . قال : ولا يهمك ، ونادى رجلاً قوياً من مكافحة الشغب وقال له : وصّل عمك لليرموك . والتفت صوبي موضحاً : هذا رشودي ابن اخي . اعتذر رشودي عن المهمة لكنه مد مفتاح السياره لعمه قائلاً انها في ساحة الخلاني ، فراح الرجل يتلفت بحثاً عن سائق يوصلني وقال : لليرموك سبعة الاف .
اعدت النظر فرأيت الجموع الثلاثة قد اختلطت وغاصت في احاديث جانبية هذا اخ هذا وهذا ابن عم هذا ، لا غريب بينهم سواي فانسللت ومضيت الى المستشفى قلقاً من ان تظهر النتيجة ايجابية . وبينما انا اغط في مخاوفي هنأتني الموظفة بالسلامة ومدت لي المظروف الانيق ، لذلك انا الان خارج العراق .
( ابو زيزوم _ 1054 )
2021-05-23