رفح ورقة نتنياهو الأخيرة التي ستقصم ظهره!
رنا علوان
يغرق نتنياهو [ المُنفصل عن الواقع ] في مستنقعٍ من الفشلِ والإجرامِ منذ سبعة اشهر ، ومع ذلك نجده بثقة كبيرة يعوّل على تحقيق” نصر مُطلق ” في رفح ، وبحسب “انفصاله” يقول ان خطوة واحدة تبعده عنه ، وعن تفكيك ما زعم وجوده فيها من قوى لحركة حماس يقدّرها بـ 4 إلى 6 كتائب
ان اصرار نتنياهو على اجتياح رفح ، كما ربط نتائج الحرب بها ، جاء بتأييد اميركي واضح ، لكن بإختلاف في كيفية حدوث تنفيذه ، وان إفشاله لجميع المفاوضات خيرُ دليل على ذلك ، كما إجهاض كلّ محاولات الوصول الى صفقة تبادل للأسرى والتي تتضمّن فتح الطريق لإنهاء الحرب وعودة الفلسطينيين الى مناطقهم في القطاع وبخاصة شماله “وإلصاق ذلك بحماس” ، تدل على نيته في إطالة آمد الحرب لغايةٍ بات من الواضح انها ليست في نفسه فقط بل في نفس الشيطان الأكبر اميركا التي تعطي نتنياهو الأموال والمساعدات بسخاء منقطع النظير ما يعني انها ليست في وارد تسهيل العمل بالتسوية او اي صفقة رغم ما تدّعيه ، وان ما تُصرّح به ما هو الا مادة للاستهلاك الإعلامي وعملية خداع للجميع
وهذا الاسلوب الاميركي دفع بالعديد الى التساؤل عن مصداقيته اولاً ، عن «حل الدولتين» بالقول كيف يمكن الثقة بأن واشنطن مستعدة وقادرة على الضغط على كيان الاحتلال لصالح قيام دولة فلسطينية حيث مشاكل بحجم قضية القدس والاستيطان ، بينما تقوم واشنطن عمليًا ببناء رصيف بحري ، وانها غير قادرة على الضغط لفتح معبر رفح ، ثانيًا من يريد فعلاً الحل لماذا يعطي الضوء الأخضر في استكمال المجازر ويعمد الى مساعدته في تحقيق المزيد
ثالثًا وهو الأهم عن ما بدأ يخرج للعلن من همس حول الرصيف البحري [ وعلاقته بمشروع استكشاف الغاز في غزة مارين الذي يقول الكثيرون أنه حاضر في خلفية الحرب بتنسيق كامل بين تل أبيب وواشنطن ]
ان رفح التي لا تتجاوز الـ 35 كلم2 أيّ 1/10 من مساحة القطاع ، تجمّع فيها أكثر من مليون و300 ألف مواطن بريء ، أيّ أكثر من نصف سكان القطاع ، وبنظر الشيطان الاكبر بات وجودهم يشكل عائقًا هامًا امام أي عمل عسكري ، اذ ان وجودهم يُعقد العملية العسكرية البرية ويتسبّب بكارثة إنسانية سيصفها الإعلام حتمًا بأنها عملية إبادة جماعية مقصودة ومخطط لها ( مع سبق الاصرار والترصد ) ، وهذا ما تخشى أميركا حدوثه وتتوجّس خيفة من تحميلها المسؤولية عنه ، لأنها هي من يحتضن “اللقيط الإسرائيلي” ويوفر له كلّ أسباب الاستمرار في ميدان الحرب والعدوان ويمدّه بالأموال والأسلحة والذخائر الفتاكة والحديثة التي ينتج عنها هذه الإبادة ، والاستفادة من غزة “حقل تجارب لها”
وكان رئيس وزراء العدو الإسرائيلي ، بنيامين نتنياهو ، أعلن أمس الثلاثاء أن عملية إجلاء المدنيين من رفح بدأت ، تمهيدًا لشن هجوم بري على المدينة ، مشيرًا إلى أن ذلك سيتم حتى “لو تم التوصل لاتفاق بين حماس وتل أبيب”
وأضاف إن إسرائيل ستدخل رفح للقضاء على حماس سواء جرى التوصل لاتفاق بشأن الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة أو لا
كما تابع “ان فكرة إنهاء الحرب قبل تحقيق الأهداف ليست خيارًا مطروحًا”
ان نتنياهو الذي يُراهن على ورقة رفح ، لم يضع ضمن حساباته ما يعانيه جيشه المهزوم والمحبط معنويًا بسبب الهزائم والإخفاق التي مني بها منذ اليوم الأول للطوفان ، ولم يسأل نفسه كيف سيكون حال الأخير لو دخل رفح ، وأي هزيمة تنتظرهم فيها
وفي هذا السياق كتبت صحيفة “هآرتس” أن اللواء احتياط “يسرائيل زيف” المُقرب من هيئة أركان جيش العدو الإسرائيلي نصح بتفادي اجتياح رفح “لأن كمينًا إستراتيجيًا بإنتظار الإسرائيليين هناك”
وقال زيف “إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تائه ولا يرى الحفرة التي قد يسقط فيها قريبًا هو وإسرائيل”
كما جاء أيضًا في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” أن إسرائيل اكتسبت حلفاء جدد ، وهذا ما تبين في المواجهة مع إيران الشهر الماضي ، لكنها أيضًا أمام ثُلة من الأعداء قد يكلفها التصدي لهم الكثير الكثير ويجب ان تعي ذلك جيدًا
وكما تمّ التسريب غير المؤكد او المعلن من أيّ طرف فإنّ التفاهم الأميركي الإسرائيلي يهدف الى الضغط على المقاومة لتتنازل من جهة ، ويرضى نتنياهو من جهة أخرى ، اي بالسماح له تنفيذ ما وعد به بشأن رفح ، أما مضمون التفاهم فإنّه يتمثل كما يبدو بثلاثة أمور الأول حصر العمليات العسكرية بالمحاور الرئيسية في منطقة رفح والثاني خفض مستوى التدمير والقتل المستهدَف للمدنيين قدر الإمكان ، أما الثالث فيتضمّن إنهاء العملية في 5 أسابيع كحدّ أقصى بحيث لا تتجاوز الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو المقبل
وفي “يديعوت أحرونوت” يفند الصحفي الإسرائيلي يوسي يهوشع جدوى فكرة مهاجمة رفح ، ويقول إنه في إطار التنسيق قبيل مناورة محتملة في رفح إذا ما حصلت (يجب منذ الآن التشديد على أنها ستكون مختلفة جوهريًا عما رأيناه حتى الآن في قطاع غزة) ، وذلك بسبب قيود الأميركيين غير المستعدين لأن يتحملوا الإصابات للأبرياء ، إضافة إلى مطالب الإغاثة الإنسانية ، أما المصريون فيطالبون بتنسيق أمني وثيق
في المقابل ، خلص المؤرخ العسكري من الجامعة العبرية في القدس البروفيسور داني أورباخ في مقال له بهآرتس إلى أن إسرائيل يجب أن تدخل إلى رفح في أسرع وقت ممكن ، وأن تقطع أنبوب تزويد (حماس) من مصر ، وأن تدمر أنفاق التهريب الإستراتيجية التي توجد تحت محور فيلادلفيا ، وأن تحرر المخطوفين إذا استطاعت ، حسب قوله
والمسألة الأُخرى التي يفندها هي أن الضغط العسكري على حماس لن يجعلها تقوم بإطلاق الأسرى
ويردف قائلاً “الصفقة السابقة مع حماس في 25 نوفمبر/تشرين الثاني حتى الأول من ديسمبر/كانون الاول 2023 كانت في ذروة الضغط العسكري من قبل إسرائيل ، ففي تلك الفترة كانت حماس مستعدة للتنازل عن طلبها الأساسي وهو وقف الحرب تمامًا ، ووافقت على إطلاق سراح نحو نصف المخطوفين مقابل هدنة مؤقتة لم تضر بأهداف إسرائيل من الحرب ، والآن ، منذ اللحظة التي تحول فيها تهديد إسرائيل بإقتحام رفح إلى تهديد فوري وموثوق فإن خطوات حماس بدأت تشير إلى ضغط آخذ في التزايد”، وفق زعمه
يبدو انّ أميركا تدعم هذه المبادرة دون ان يصل هذا الدعم الى حدّ الضغط على “إسرائيل” لقبولها لا بل نجد أميركا تميل الى الضغط على الفلسطينيين ليتنازلوا عن حقوقهم ، في الوقت الذي تعطي نتنياهو فيه الأموال والمساعدات (بصفة ممول واضح وصريح ) ما يعني انها ليست في وارد تسهيل العمل بالتسوية/الصفقة رغم ما تدّعيه
ما يتجلى لنا من كل ما تم سرده ، انّ نتنياهو مُصرّ على الرفض ومتمسك بخيار العدوان وفقًا للتفاهم مع الأميركيين حول رفح ، في موقف يؤمل منه ان يطيل أمد الحرب ويؤخر المحاسبة التي تحضّر له وتنتظره مع المسؤولين عن الإخفاق والهزيمة ، وهي محاسبة باتت مؤكدة في الداخل وتلتقي مع التحضيرات الخارجية لإصدار مذكرات توقيف دولية يتوقع أن تسطرها المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين الإسرائيليين الأساسيين الثلاثة في الحرب أي نتنياهو رئيس الحكومة وغالنت وزير الحرب وهاليفي رئيس الأركان لارتكابهم جرائم الإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
ختامًا ، إنّ المعتوه نتنياهو الذي «قيّد نفسه عندما ربط النصر النهائي بالدخول الى رفح وتفكيك المقاومة فيها» في حال فشله وهو “احتمال قائم وحقيقي” لا يريد ان يراه نتنياهو او حتى يفكر فيه ، يعني هزيمة نهائية ليس له فقط بل للكيان ووجوده ، وخسارته تعني خسار ورقة التوت الوحيدة التي تقف دون تعريته نهائيًا امام مرتزقته بالباب الأول ، فأنى لهم ان يثقوا في فكرة بقائهم في كيان يحكمه هكذا اشخاص يمينية متطرفة تدفع بهم وبكيانهم الى الهاوية
(فما قبل الطوفان حتمًا ليس كما بعده)
هذه الهزيمة الحتمية التي يسعى لها نتنياهو ستتسبّب بخسائر مركبة وكبيرة تلحق بالجيش العدو الإسرائيلي ، وفي طليعتها ( مصير الأسرى الذي تحتضنهم المقاومة ، فضلاً عما ستحدثه من مجازر بحق الفلسطينيين المدنيين وتفاقم الموقف الدولي الذي يتعاظم ككرة الثلج رفضًا لجرائم العدو الإسرائيلية)
على أيّ حال وفي ظلّ غياب الضغط الأميركي الفعلي على نتنياهو ومع وجود التفاهم الأميركي الإسرائيلي حول رفح نرى أنّ الذهاب الى ميدان رفح هو الأرجح كما يبدو حتى ولو تأخر ذلك بعض الوقت ، وأنّ العدوان الإسرائيلي على رفح سينفذ بموافقة أميركية ، وأنه سيكون ورقة الميدان الأخيرة التي ستلعبها “إسرائيل” مع يقين القادة العسكريين فيها بأنّ هذه العملية لن تغيّر المشهد ولن تحقق من النتائج ما يحول دون المساءلة عن الهزائم والإخفاقات السابقة ، هذا فضلاً عن كون العملية بذاتها محفوفة بالمخاطر الجليّة والواضخة ، وتميل كفة الميزان الى هزيمة حتمية لهم ، وهذه الهزيمة ستكون نصرًا فوق نصر لحماس ، كونها بدأت تحقيق ذلك في اليوم المجيد من السابع من اكتوبر 2023
2024-05-02
