خطاب نتنياهو: تظهير لازمة إسرائيل الاستراتيجية واشتقاق خيارات لهزيمته!
جمال الطاهات
خطاب نتنياهو أمام الكونغرس كمنتصر بالرغم من مأزق إسرائيل الاستراتيجي (فقدان السياق الاستراتيجي العالمي لحملها)، لن يغير من الحقائق على الأرض. فبدلاً من محاولة التموضع في سياق التحولات الاستراتيجية العالمية الراهنة- وهو أقصى ما يمكن لدولة بحجم إسرائيل وإمكاناتها أن تعمله للحفاظ على تحالفاتها الدولية، يسعى نتنياهو لجر حلفاء إسرائيل إلى اصطفاف إقليمي محمول عالمياً، لفرض خطوط اشتباك على الإقليم ليس لغيرها مصلحة فيها.
تركيز نتنياهو لأن يقول لصناع القرار في واشنطن بأن أعداء إسرائيل هم أعداء أمريكا وقوله الواضح للحليف الأهم لإسرائيل “أن حربهم واحدة ونصرهم واحد”، وأن إسرائيل تحميهم، تعبير عن تناقص القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة لحلفائها، وتداعي قدرتها على احتفاظها بتحالفاتها الدولية بما يدعم خياراتها وسياساتها الراهنة و دليل على أن هناك شكوك حقيقية حول هذه النقطة.
فواشنطن ترى المنطقة بعين مستقلة عن نتنياهو. وهذه هي بؤرة الأزمة الاستراتيجية لإسرائيل. إذ يبدأ التحالف بالتفسخ حين تختلف الأولويات، وحين تختلف الرؤية حول المخاطر. ومن غير المنطقي الاعتقاد، في ظل هجمة الإعلام الأمريكي على نتنياهو، أنه سينجح في فرض رؤيته على صناع القرار في واشنطن.
كما أن هذا المقترح، يكشف أيضاً ازمة إسرائيل في التموضع الإقليمي، وإصرارها على أخذ موقع المهيمن في أي منظومة إقليمية تكون جزءاً منها، وهذه فرصة تجاوزها الزمن. فتأثير تطور التكنولوجيا على حقائق القوة وخرائطها على الأرض، لا يسمح لإسرائيل أن تكون في موقع إقليمي مهيمن. مما يجعل المقترح كاشفاً لأحد مستويات أزمة التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
هذه الازمة، لا تتبدى فقط من خلال تحول دعم إسرائيل من نقطة اجماع الطيف السياسي الأمريكي إلى قضية خلافية ساخنة، بل وأيضاً من خلال تحول نقد إسرائيل إلى ممارسة عامة مقبولة في الإعلام الأمريكي، إضافة إلى تزايد الساعين من النخبة الأمريكية إلى عدم تحمل التبعات السياسية والأخلاقية لما تقوم به إسرائيل. صحيح أن الولايات المتحدة تقدم غطاء سياسي وعسكري لإسرائيل، ولكن ليس منحها كل ما تحتاجه لأن تتحول إلى مركز إقليمي مهيمن، لخوض معركة لا أحد يريدها سوى نتنياهو.
الحديث الأمريكي الراهن هو العودة لما قاله الرئيس كارتر في الكنيست عام 1979، والمتمثل في الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل، وليس فرضها كقوة إقليمية مهيمنة. ويكشف ذلك تصريح وزير الدفاع الأمريكي الحالي رداً على انتقادات نتنياهو بأن إسرائيل لا تحصل على كل طلباتها من الأسلحة والذخائر بالسرعة المطلوبة، بأن أمريكا تقدم لإسرائيل كل ما تحتاجه لأمنها والدفاع عن نفسها. إضافة إلى التصريحات الواضحة لنائبة الرئيس كمالا هاريس بعد لقائها نتنياهو في واشنطن، من أن إسرائيل ملتزمة بأمن إسرائيل إضافة إلى التزامات أخرى. وهو ما يعني أن لأمريكا رؤية للإقليم مختلفة عن رؤية نتنياهو.
مبادرة نتنياهو بإنشاء “تحالف إبراهيم” يضم إسرائيل ودول عربية وبعض الدول الغربية، لمواجهة إيران، محاولة منه لتأسيس سياق إقليمي صراعي، معتمداً على بعض الأنظمة العربية، وخصوصاً النظام الأردني، حيث كان اول تصريح للمستبد الفاسد بعد أن أصبح ولياً للعهد، هو التحذير من “الهلال الشيعي”. وهو بذلك ينقل مشروع التموضع الإقليمي لإسرائيل من سياق تسوية القضية الفلسطينية (وهو مضمون المبادرة العربية)، إلى مدخل لتصفيتها وبوابة لإدامة الصراع.
والمقترح يكشف أوهام نتنياهو بقدرة إسرائيل على فرض مشهد عالمي، شبيه بالحرب الباردة. إذ تستطيع الامبراطوريات الكبرى مع حلفائها، أن تفرض على أي منظومة إقليمية خطوط اشتباك كونية، ولكن بالنسبة لإسرائيل، فإن محاولة فرض خطوط اشتباك إقليمية على القوى العالمية، تعبير عن تصورات افتراضية (او ربما هلوسات) لخريطة القوى الإقليمية والدولية.
وبغض النظر عن معقولية هذا التحالف المقترح وفرص نجاحه، من الضروري التوقف عند سؤال مركزي وهو ما الذي يكشفه مثل هذا المقترح؟ ولماذا يقدمه نتنياهو في واشنطن؟
تاريخ إسرائيل منذ نشأت فكرتها، يوضح أنها منتج سياق استراتيجي عالمي، وليست منتجا إقليميا، كما أنها ليست مركزاً يشكل سياق استراتيجي عالمي كما يحلم نتنياهو. فقد نشأت إسرائيل كمشروع صغير في سياق المرحلة الاستعمارية إثناء الحرب العالمية الأولى. وبقي مشروع إنشاء إسرائيل محمولاً على امبراطوريتين استعماريتين بريطانيا وفرنسا، إلى أن تداعى نفوذ هذه الامبراطوريات، وتم تصفية السياق الاستعماري العالمي بشكل حاسم في حرب السويس.
بعدها نجحت إسرائيل في الخروج من السياق الاستعماري الآفل، وسعت لأن تكون جزءاً من تحالفات الحرب الباردة، وتمكنت من تقديم خدمات استثنائية للولايات المتحدة في حربها ضد الاتحاد السوفياتي. وقدمت في حرب الأيام الستة عام 1967، ما يثبت قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة كمركز متقدم في بيئة متخلفة وهشة (مطرقة الحديد في برميل مليء بالبيض). وبعد انتهاء الحرب الباردة، فقدت إسرائيل السياق الاستراتيجي الذي حمل تفوقها، وبدأت تبحث عن صيغة للتموضع الإقليمي في سياق تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، وظهر شمعون بيريز كزعيم استثنائي لها يحمل هذا المشروع.
قدمت أحداث 11 أيلول عام 2001، سياقاً جديداً لإسرائيل وغيرها من أنظمة المنطقة، يتمثل في الحرب على الإرهاب. إلا أنه سياق محدود نوعياً يستدعي شكلاً من العلاقة مع الإقليم، ولم تقدم إسرائيل أي خدمات نوعية، وإن استطاعت أن تقلل من معدلات تآكل قيمتها الاستراتيجية بالنسبة لحلفائها، بسبب تلكؤ القوى الإقليمية وعجزها عن توظيف مزاياها النوعية بشكل فعال في محاربة الإرهاب، وإصرار بعضها، مثل المستبد الفاسد في عمان، على تأجير مزايا الأردن النوعية في محاربة الإرهاب لمن يدفع أكثر.
أخيراً، إن مفتاح الفرصة الاستراتيجية لاحتواء تهديدات اليمين الإسرائيلي تبدأ من اشتقاق خيارات تنسجم مع حقيقة أزمة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وليس تجاهلها، والإصرار على استحلاب مقاربات أيديولوجية وخيارات استراتيجية تجاوزها الزمن وحقائق القوة على الأرض، تمثل في حال استمرارها تقديم خدمة مجانية لنتنياهو وانقاد التحالف الأمريكي الإسرائيلي. فحرمان إسرائيل من الدعم الأمريكي هو أهم خطوة تاريخية لتخليص المنطقة من التوسعية الإسرائيلية مرة واحدة وللأبد. وخلافاً لما يروجه المستبد الفاسد في عمان، لم يعد اليمين الإسرائيلي هو بوابة واشنطن الوحيدة على الإقليم.
2024-07-27
