انتخابات السويد:
فوز هش لليسار ومشاورات صعبة لتشكيل حكومة جديدة
قدّم رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون استقالته، ما يفتح الطريق أمام زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ماغدالينا أندرسون لبدء مشاورات تشكيل حكومة جديدة في السويد إثر فوز كتلة يسار الوسط بأغلبية ضئيلة في الانتخابات العامة
سعيد محمد*
أعلن رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون استقالته من منصبه، بعد أن أظهرت النتائج النهائية للانتخابات العامة التي أجريت نهاية الأسبوع الماضي تفوق كتلة يسار الوسط بفارق ضئيل للغاية، لتفتح هذه الاستقالة الباب أمام زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ماغدالينا أندرسون، لخوض مفاوضات معقدة تستهدف تشكيل حكومة جديدة تقود المملكة خلال السنوات الأربع المقبلة، في مشهد يعكس تحولاً في موازين القوى السياسية السويدية بعد أربع سنوات من حكم يميني استند إلى دعم حزب “ديمقراطيو السويد” – أقصى اليمين -.
وجاء إعلان كريسترسون عبر بيان مكتوب وجهه إلى رئيس البرلمان أندرياس نولين، أكد فيه أن المرحلة التالية تتطلب انتقالاً سلساً للمسؤولية، وأن رئيس البرلمان هو الجهة المخولة بقيادة المشاورات مع ممثلي الأحزاب للتوصل إلى مرشح لمنصب رئيس الوزراء، وكتب يقول: “الآن يتولى رئيس البرلمان قيادة الخطوات المقبلة نحو تشكيل حكومة جديدة، وحرصاً على أن يبدأ هذا العمل فوراً، أطلب بموجب هذا إعفائي من مهام منصب رئيس الوزراء.”
وأظهرت النتائج النهائية التي أعلنت بعد فرز أصوات السويديين المقيمين في الخارج وبطاقات الاقتراع البريدية المتأخرة حصول كتلة يسار الوسط على 176 مقعداً في البرلمان السويدي (الريكسداغ) البالغ عدد مقاعده 349 مقعداً، مقابل 173 مقعداً للكتلة اليمينية التي يقودها حزب المعتدلين – يمين وسط ليبرالي محافظ -، وهو فارق يقدر بنحو 50 ألف صوت على المستوى الوطني من أصل نحو ثمانية ملايين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم – ، ما يعكس حالة الاستقطاب الحادة التي يعيشها المجتمع السويدي، ويجعل من تشكيل حكومة مستقرة مهمة بالغة التعقيد في بلد يبلغ عدد سكانه نحو أحد عشر مليون نسمة.
وعلى مستوى الأحزاب، حافظ الحزب الاشتراكي الديمقراطي – يسار الوسط – على موقعه كأكبر قوة سياسية في البلاد بحصوله على 28% من الأصوات، وهو أدنى مستوى يحققه منذ أكثر من قرن، فيما ارتفع حزب المعتدلين بزعامة كريسترسون إلى 19.9% مستعيداً مكانته كثاني أكبر حزب في السويد، وهي نتيجة تشير إلى قدرة اليمين التقليدي المحافظ على استعادة جزء من ناخبيه الذين كانوا قد اتجهوا نحو أحزاب أكثر تطرفاً خلال الدورات السابقة.
وسجل حزب “ديمقراطيو السويد”، ذو التوجهات النازية الجديدة، تراجعاً في التأييد الشعبي للمرة الأولى منذ دخوله البرلمان عام 2010، إذ انخفضت نسبته إلى 17.5% وهبط إلى المرتبة الثالثة بعد أن كان ثاني أكبر أحزاب البلاد، في تحول لافت يعكس تبدل مزاج الناخب السويدي تجاه الخطاب الشعبوي المتشدد الذي ركز طويلاً على قضايا الهجرة والجريمة. ويرى محللون أن نجاح أحزاب اليمين التقليدي في تبني سياسات متشددة مماثلة أسهم في استقطاب جزء من قاعدة الحزب المتموضع أقصى اليمين، لكنه مع ذلك سيستمر في لعب دور قوة رئيسية في الحياة السياسية السويدية.
وتأتي هذه النتائج بعد أربع سنوات من حكم يميني الهوى اعتمد على اتفاق “تيدو” الذي أبرم في كانون الأول/ديسمبر 2022 بين أحزاب المعتدلين والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين من جهة، وحزب “ديمقراطيو السويد” من جهة أخرى، وهو الاتفاق الذي كسر محظوراً سياسياً ظل قائماً لعقود تجاه التعاون مع اليمين الراديكالي، ومنح الحزب المتطرف نفوذاً واسعاً في صياغة السياسات رغم بقائه خارج الحكومة رسمياً. وخلال تلك الفترة، تحولت السياسة السويدية تجاه الهجرة إلى واحدة من أكثر السياسات تشدداً في أوروبا، مع تقليص حصص اللجوء من خمسة آلاف إلى تسعمائة شخص سنوياً، وتشديد شروط إعادة توحيد الأسر، وتسريع إجراءات الترحيل، وإدخال معايير مطاطة تتعلق بـ”السلوك السيئ” تتيح سحب تصاريح الإقامة.
وشهدت البلاد خلال السنوات الأربع الماضية حالات أثارت جدلاً واسعاً، من بينها أوامر بترحيل أطفال قبل أن تتراجع عن بعضها السلطات لاحقاً بعد ضغط إعلامي، فيما وصف رئيس الوزراء المستقيل تلك القرارات بأنها نتيجة حتمية لقوانين الهجرة الجديدة، قائلاً إن “تعديل القانون وفقاً لكل حالة فردية أمر متعذر”. كما تعرضت مساجد في مدن سويدية عدة لأعمال تخريب، وشهد عام 2023 موجة من الاحتجاجات تضمنت إحراق نسخ من المصحف، وهي أحداث عمقت الجدل حول مكانة الأقليات في المجتمع السويدي.
وقد بدأت ماغدالينا أندرسون، التي شغلت منصب رئيس الوزراء بين تشرين الثاني/نوفمبر 2021 وتشرين الأول/أكتوبر 2022، مشاورات مع أحزاب اليسار لبحث إمكانية تشكيل ائتلاف حاكم، وأعلنت في خطاب نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي أن الشعب السويدي صوّت من أجل “اتجاه جديد” للبلاد، واختار “الوحدة” في مقابل “الانقسام”، متعهدة بتحقيق هذا الاتجاه عبر أولويات تشمل أزمة المناخ والمدارس والرعاية الصحية ورعاية المسنين وسياسة هجرة أكثر إنصافاً. وقالت: “صوّت الشعب السويدي من أجل المضي بالسويد إلى الأمام، وأنا عازمة على تحقيق الاتجاه الجديد الذي اخترتموه.”
وتواجه أندرسون عقبات كأداء في بنية اليسار السويدي، أبرزها التناقض بين حزب الوسط الليبرالي وحزب اليسار – وريث الحزب الشيوعي السويدي -، إذ يرفض الأول مشاركة الثاني في الحكومة، بينما يشترط الأخير الحصول على حقائب وزارية مقابل دعمه. وتتجاوز الخلافات مسألة الحقائب لتشمل السياسات الضريبية، حيث يدعو حزب اليسار إلى فرض ضريبة على الأثرياء ويرغب في رفع الضرائب إلى جانب الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب البيئة-الخضر، في حين يطالب حزب الوسط بخفض الضرائب، ويقف حزب البيئة معارضاً لتوسيع الاعتماد على الطاقة النووية. وقالت زعيمة حزب اليسار نوشي دادغوستار إن “الشعب السويدي صوّت لإبعاد حكومة تحالف تيدو ومنحنا تفويضاً واضحاً للتغيير”، واصفة يوم إعلان النتائج بأنه “من أسعد أيام حياتي”، فيما قالت زعيمة حزب الوسط إليزابيث ثاند رينغكفيست إن السويد “تدخل مرحلة سياسية جديدة”، مؤكدة أن حزبها سيكون “قوة بنّاءة” لتشكيل حكومة فاعلة ذات سياسات مستقرة في الوسط.
وتتكرر في ذاكرة السويد الحديثة نماذج من مفاوضات مطولة لبناء إئتلافات حاكمة، إذ استغرق تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2022 سبعة وثلاثين يوماً، بينما استغرق بعد انتخابات 2018 مائة وأربعة وثلاثين يوماً، ولذلك فإن الطريق إلى لحظة ولادة الحكومة المقبلة قد يمتد لأسابيع. ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الجديد في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، فيما يمكن أن يصوّت على رئيس وزراء مطلّف في التاسع والعشرين من الشهر ذاته كأقرب موعد ممكن، مع بقاء احتمال تمدد المفاوضات لفترة أطول إذا اصطدمت بخلافات جوهرية. وإذا فشل البرلمان في التصويت لصالح أي مرشح بعد أربع محاولات، يتجه البلد تلقائياً نحو انتخابات جديدة، وهو سيناريو يخشاه كثيرون في ظل الاستقطاب الحالي.
وفي خلفية هذه النتائج، تحدث خبراء عن عامل ديموغرافي مهم في تفسير تحولات الملعب السياسي في السويد، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة الناخبين من أصول أجنبية بلغت نحو 18% في انتخابات 2026، مقابل 15% في انتخابات 2022. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها التلفزيون السويدي العام ميلاً واضحاً لدى الناخبين من أصول خارج أوروبا نحو أحزاب المعارضة، إذ دعم سبعة من كل عشرة منهم إحدى أحزاب كتلة يسار الوسط، فيما أشار استطلاع لمعهد نوفوس إلى أن نحو 80% من الناخبين المسلمين يعتزمون التصويت للاشتراكيين الديمقراطيين أو لحزب اليسار. وفي بعض الدوائر ذات الكثافة المهاجرة العالية، مثل روسنغورد سنتروم في مالمو، حصل الحزبان معاً على 95.2% من الأصوات، وهي نتيجة تعكس تحولاً في التركيبة الانتخابية للمدن السويدية الكبرى، وأثارت نقاشاً حول تأثير التحولات الديموغرافية في نتائج الانتخابات.
وتميزت الحملة الانتخابية بحديّة استثنائية، إذ تبادل الزعماء الاتهامات الشخصية، وانتشرت حملات التضليل السياسي، وظهرت إعلانات مستوحاة من نمط الحملات الأمريكية، فيما رفع حزب “ديمقراطيو السويد” شعار “اجعل السويد سويدية مجدداً” على غرار شعار الرئيس الأمريكي ترامب، ونشر إعلانات على الحافلات العامة تضمنت عبارات أثارت جدلاً واسعاً، ما دفع شركات النقل إلى سحب تلك الإعلانات بعد رفض سائقين العمل في حافلات تحملها. وتعرض زعيم الحزب جيمي أوكيسون لانتقادات بتهمة التمييز على أساس الجنس بعد سؤاله زعيمة الاشتراكيين الديمقراطيين عن سبب غضبها في مناظرة تلفزيونية، كما واجه أحد أبرز وجوه الحزب، غوستاف غيلربانت، تحقيقاً صحافياً ربط شريكته بجهات روسية وبأنشطة دعائية، ما دفعه إلى أخذ إجازة من مهامه.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-09-20