خذلان الحاجة: مقاربة وجدانية في أخلاقيات الانسحاب العاطفي!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في لحظات الضعف الإنساني، حين ينكفئ القلب على جرحه باحثًا عن يدٍ تمسح ما تبقى من رماده، يُصبح للخذلان طعمٌ لا يشبهه خذلان. وحين يتقاطع الانكسار مع الانسحاب، تُولد لحظة مريرة تُسجل في دفتر الإنسان كأشد دروس العمر مرارة.
كثيرة هي العلاقات التي تبدأ بدفء الوعد، وتزدهر تحت شمس الاهتمام، ثم تذبل فجأة، لا لسببٍ واضح، بل لذريعة تُساق في غير وقتها. والأدهى، حين يُقدَّم العذر في لحظة لا يُطلب فيها تفسير، بل يُطلب فيها الاحتواء.
قبل أيام، تأملت في قصة رجل عاشق، أنهكته الحياة، فركن إلى من أحبها، ظنًا منه أنها ستكون حصنه الأخير، لكنها – وقد أنهت مصلحتها منه – انسحبت بذريعةٍ لا تناسب الموقف: “أمي مريضة”. هكذا، دون تمهيد، دون مواساة، دون حتى شجاعة الاعتراف.
ذلك ليس مجرد فراق، بل هو خذلان الحاجة، وهو أشنع أنواع الخذلان. أن يُترك الإنسان في لحظة احتياجه القصوى، بعدما كان سخياً في عطائه، مستميتاً في دعمه، صادقًا في نواياه. يحدث ذلك عندما تتحول العلاقات الإنسانية إلى مقايضة، وعندما يصبح الحب بندًا في دفتر المصالح، لا شعورًا متجذرًا في عمق الكينونة.
ما يجعل هذا الشكل من الفراق قاسيًا، ليس فقط أنه جاء في لحظة ضعف، بل لأنه أُلبس ثوبًا أخلاقيًا خادعًا. إن استخدام مبرر إنساني – كمرض الأم – للهروب من مسؤولية المشاعر، هو ضرب من التزييف الأخلاقي، يُراد به تبرئة الذات من تبعات قرار مجحف.
من وجهة نظر إنسانية وأكاديمية، علينا أن نُعيد النظر في أخلاقيات العلاقات العاطفية، ليس من باب التشريع أو المنع، بل من باب الصدق والوضوح وتحمل المسؤولية. الحب ليس نفعًا، ولا صفقةً ذات نهاية محددة ببلوغ المصلحة، بل التزام وجداني مستمر، خاصةً حين يكون الطرف الآخر بأشد الحاجة لمن أحب.
ولعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا:
هل نحن، كبشر، نُجيد الخروج النبيل من العلاقات، كما ندّعي قدرتنا على دخولها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب شجاعة لا يمتلكها كثيرون. فليس الشجاع من يقول “أحبك”، بل من يقول “أغادرك”، حين يكون الرحيل ضرورة، ولكن بصدق، لا عبر ذرائع مهترئة تُخفي أنانية متنكرة بوجه الرحمة.
ختامًا، ليس المرض عذرًا للهروب، بل هو اختبار للوفاء. ومن ينسحب ساعة الحاجة، لا يُستأمن على قلب، ولا يُذكر في سيرة الوفاء إلا كنقطةٍ سوداء في سجل التجربة.
2025-08-03
