الغرب يلوّح بورقة الاعتراف ب”الدولة” الرمزيّة!
انتقلت المبادرة الفرنسيّة للاعتراف بدولة فلسطينيّة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة من كونها تحركاً منفرداً إلى مسارٍ دوليٍّ متسارع بعدما أعلنت كندا أنها ستلتحق بفرنسا وبريطانيا في هذه الخطوة.
سعيد محمد*
تلقّت المبادرة الفرنسيّة للاعتراف بدولة فلسطينيّة خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، دفعة دبلوماسيّة مهمة حين أعلن رئيسُ الوزراء الكندي مارك كارني نيّة بلاده القيام بالخطوة نفسها، لتكون بذلك ثالث دولة من مجموعة الدول الغربيّة السبع الكبرى التي تلتحق بالمبادرة.
وبينما كان موقف أوتاوا دائماً أنها لن تعترف بدولة فلسطينية إلا كنتيجة لمحادثات سلام مع (إسرائيل)، فإن كارني اعتبر في مؤتمر صحفي “إن الواقع على الأرض، بما في ذلك أزمة الجوع المتصاعدة في قطاع غزة، يعني أن احتمال قيام دولة فلسطينية يتراجع حرفياً أمام أعيننا”. وقال: كندا انضمت إلى جهود الدول الأخرى سعياً للحفاظ على إمكانية تحقيق (حل الدولتين) بعدما تآكلت بشكل مطرد وخطير بسبب التحركات الإسرائيلية بشأن ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والفشل المستمر للحكومة الإسرائيلية في منع الكارثة الإنسانية المتفاقمة بسرعة في غزة.
وكانت بريطانيا قد سبقت كندا بتوجيهها تهديداً نادراً بإمكان اعترافها بدولة فلسطينية ما لم تتخذ إسرائيل خطوات جوهريّة لإنهاء (الكارثة الإنسانية) في قطاع غزة والالتزام بعملية سلام مستدام طويل الأمد يؤدي إلى تحقق (حل الدولتين).
وأشار كارني إلى أن “كندا ملتزمة منذ فترة طويلة بمبدأ حل الدولتين ودولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة (منزوعة السلاح)، تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل في سلام وأمن”، لكنه أكد أن هذه الخطوة “تستند إلى التزام (السلطة الفلسطينية) بالإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها بما في ذلك إجراء انتخابات في عام 2026، ومكافحة الفساد”.
وفور توارد الأنباء عن تصريح كارني سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مهاجمة كندا، وكتب على منصته (تروث سوشيال) أن قرار رئيس الوزراء الكندي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية “سيجعل من الصعب علينا إبرام صفقة تجارية معهم”، فيما ردّت إسرائيل بعباراتٍ أكثر حدّة، إذ وصف سفيرها لدى واشنطن، يحئيل لايتر، قرارات كندا وبريطانيا وفرنسا بأنها رجس من عمل الشيطان، وأن هذه الدول تقاطعت على “تشجيع الإرهاب”، كما قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن الخطوة الكندية “مكافأة للإرهابيين” – في إشارة إلى (حماس)-، و”تلحق الضرر بالجهود المبذولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار والاتفاق على إطار للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين”.
السلطة الفلسطينية تلقّت ذات الأنباء من أوتاوا بوصفها “تاريخية”، ورحّب رئيس السلطة محمود عباس بما رآه تعزيزاً لأمل تحقق الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أنّ أصواتاً فلسطينيّةً أخرى، حذرت من أن هكذا اعتراف إذا لم يُقرن بآليات تنفيذ وجدول زمنيٍّ لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار فسيظلّ مبادرة عقيمة.
وفي برلين، التي تُعَدُّ حصن إسرائيل الحصين داخل أوروبا وثاني أكبر ممول ومورد سلاح للجيش الإسرائيلي بعد الولايات المتحدة، كان الموقف أكثر حذراً تجاه مسألة الاعتراف بالدولة العتيدة لكنه حمل تغيراً ملحوظاً في اللهجة، إذ صرح وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، بأن الاعتراف بدولة فلسطينية بالنسبة لألمانيا لن يأتي إلا “ثمرة عملية تفاوضية للسلام مع (إسرائيل)”، قبل أن يضيف قائلاً: “يجب أن تبدأ هذه العملية الآن”، وأن بلاده ستكون مضطرة للرد في “تم اتخاذ خطوات أحادية الجانب” من طرف الإسرائيلي.
ويعكس موقف برلين المتردد صراعاً داخلياً بين التزام النخبة الألمانية التاريخي بأمن الدولة العبرية، وبين الضغط الشعبي المتزايد. وكان استطلاع للرأي نشرته مؤسسة إعلامية ألمانية مؤيدة لإسرائيل قد بيّن أن ما يقرب من ثلثي الألمان يعتبرون الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة قد تجاوزت كل الحدود. وحتى المستشار فريدريك ميرتز، المعروف بدعمه الحاسم لإسرائيل، تحدث مؤخراً عن أن تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل أصبح “خياراً مطروحاً على الطاولة”. ويقول خبراء إن برلين تخشى، إن هي بقيت وحيدةً في معسكر رفض الاعتراف، من فقدان موقعها كقائد للأوركسترا الأوروبيّة – لمصلحة باريس دائماً -.
ومع أنّ كل هذه التصريحات بشأن ترفيع (السلطة الفلسطينية) إلى مستوى دولة معترف بها دولياً لا تزال في طور “التلويح” أكثر ممّا هي قراراتٌ مُبرمة، فإن تعاظم هذه الموجة بين حلفاء مهمين للولايات المتحدة يزيد من العزلة النسبية لإدارة الرئيس ترامب في دعمها غير المشروط للدولة العبرية، ويعكس بالضرورة تبدّلاً في مزاجٍ دوليٍّ ضاق ذرعاً باستمرار الحرب على غزّة، وتوسّع الاستيطان في الضفّة، وبات قلقاً من الانهيار النهائي لفكرة (حلّ الدولتين).
وبحسب الخبراء، فإن ثمة ثلاث سيناريوهات محتملة في ضوء تعزز هذه الكتلة الغربيّة المتمايزة شكلياً عن واشنطن، أولها أن تصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بدعم أكثر من 150 دولة يرحّب باعترافٍ متزامن بالدولة الفلسطينية من كندا وبريطانيا وفرنسا وربما دولٍ أوروبية أخرى، مع نصٍّ يُلزم السلطة الفلسطينية بخارطةِ إصلاحٍ وتعهّدٍ بنزع سلاح الفصائل في غزّة تحت رقابة دولية. هكذا سيناريو قد يزيد من عزلة إسرائيل، ويعقد مسرات تطبيعها الإقليمي مع الدول العربيّة والإسلامية – لا سيما المملكة العربية السعودية – لكنه لا يفرض عقوبات، ويظل تحت السقف الإسرائيلي ويحقق أهداف عدوانه، ما يبقي تأثيره معنوياً بالأساس.
السيناريو الثاني يفترض أن واشنطن قد تُقنع حلفاءها بتأجيل الخطوة مقابل التزام إسرائيلي بهدنة طويلة، ووقف الاستيطان مرحليّاً. على أن تعنت تل أبيب بهذا الشأن قد يتطور إلى خطواتٍ أحادية من قبل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناتنياهو – مثل التلويح كضم منطقة غور الأردن أو فرض حكمٍ عسكريٍّ مباشر دائم في غزّة – على نحو يظهر سبحة الاعترافات الغربيّة بلا قيمة في ميزان السيطرة على الأرض، ولا تغيّر شيئاً في الوقائع الماديّة.
على أنّه وبغض النظر عن اتجاه الأحداث تالياً، يظلّ تلويح كتلة غربيّة وازنة بالاعتراف بدولة فلسطينية – وإن ككيان محدود السيادة، منزوع السلاح، خاضع في السياسة والاقتصاد والحدود للهيمنة العبرية – إشارة ملفتة إلى بداية تآكل جدار الدعم الغربي التقليدي الصلد لإسرائيل في ظل استمرارها في تجاهل الكلفة الإنسانية والسياسية لحرب الإبادة الهجينة التي تشنها على فلسطينيي قطاع غزة والضفة الغربيّة مسنودة بتواطىء أمريكي كامل.
– لندن
2025-08-03
تعليق واحد
انها فعلا نظرية المؤامرة وانا اؤمن بها.
فقدنا فلسطين في مؤامرة وخسرنا الحروب على مر السنين ضد الكيان الصهيوني بالمؤامرة . واخترق حزب الله بالمؤامرة
واخترقت ايران بالمؤامرة . وتغير النظام الوطني في سوريا بنظام ارهابي يمثله الجولاني بالمؤامرة .
مشروع حل الدولتين مؤخرا والاعتراف الجماعي والتوقيت الجماعي في شهر سبتمبر القادم ستعترف دول عديدة بحل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية دون تحديد حدود هذه الدولة ومقاوماتها وماهو مسنقبل ودور حماس وبقية فصائل المقاومة في هذه الدولة التي لم ترى النور اطلاقا بهذه الورقة .
طرح حل الدولتين والاعتراف بفلسطين هي مجرد مؤامرة شيطانية لعينة تريد القضاء على فصائل المقاومة وتسليم سلاحها وتعمل على تهجير شعبنا الابي في غزة عن ارضه وهذا لم ولن يحدث وحماس مستعدة ان تقاوم الاحتلال لااكثر من خمسين عام قادم وحتى التحرير