حوار مع الدكتور أحمدالدرزي..ج1!إلهامي المليجي
في حوار طويل مع الإعلامي المميز إلهامي المليجي Elhamy Elmelegy وعلى مدى حلقتين، نشرت الأهرام العربي الجزء الأول الذي يتعلق بالعلاقات الروسية السورية، وماعليها من إشكاليات بالرأي العام
أحمد الدرزي
الكاتب والمحلل السياسي السوري الدكتور أحمد الدرزي 1من 2 :
وفرت الحرب على سوريا الفرصة التاريخية التي انتظرتها موسكو لأكثر من ثلاث مائة عام للتموضع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط
تحولت دمشق لنقطة دفاع عن الأمن القومي الروسي والإيراني والصيني
بعد استلام بوتن قيادة روسيا من يلتسين ، وجد نفسه أمام إمبراطورية متداعية ، تتنازعها تيارات متعددة، فعمل على ضبط إيقاع هذه التيارات
موسكو وبكين وايران ودمشق ترتبط بحلف غير معلن ولكل من هذه الأطراف أوراق قوة تبادل الأطراف الأخرى بها
أجرى الحوار : الهامي المليجي
شهدت دمشق في الاسابيع المنصرمة توافدا مكثفا من شخصيات اقتصادية ودبلوماسية رفعية وحتى العسكرية والأمنية من كل من روسيا وايران ، ويصل البعض من المحللين الى أنها تأتي في اطار ترتيبات مع بعد الأزمة بعدما توقفت أصوات المدافع لتقسيم الغنائم الاقتصادية بين المنتصرين، دون أغفال الترتيبات السياسية والعسكرية والامنية التي تضمن توطن النفوذ ، بينما يرى البعض أن الزيارات أمر طبيعي وتدخل ضمن العلاقات الاستراتيجية التي تربط دمشق مع تلك العواصم .
تطورات المشهد السوري دفعتنا للتوجه بأسلتنا لواحد من أهم المحللين السورين فكان الحوار التالي :
*في الذكرى 75 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وروسيا بعث الرئيس الاسد ببرقية للرئيس بوتين جاء فيها “ان الشعب السوري يقدر عاليا بسالة وجرأة الأبطال الروس الذين ساهموا وبكل فعالية في محاربة الارهاب على الأراضي السورية ” ورد بوتين بالتأكيد على دعم موسكو في محاربة الارهاب واعادة اعمار سوريا – كيف تقرأ البرقية ورد بوتين ؟
تشكل دمشق في الذاكرة التاريخية الروسية نقطة هامة منذ أن بدأ بولس الرسول رحلته التبشيرية والدعوة للمسيحية التي تحولت إليها روسيا في القرن العاشر الميلادي، وهي البلاد التي تحلم بها موسكو كمركز للمياه الدافئة مما دفع بالإمبراطورة كاترينا لإطلاق معادلتها الشهيرة “دمشق مفتاح بيتي”، وقد وفرت الحرب على سوريا الفرصة التاريخية التي انتظرتها لأكثر من ثلاث مائة عام للتموضع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بعد أن وقفت موسكو إلى جانب دمشق سياسياً في مجلس الأمن واستخدمت الفيتو المزدوج مع الصين لمنع حيازة الولايات المتحدة والدول الغربية على على شرعية دولية لاجتياح سوريا وإسقاط النظام الساسي السوري الذي رفض التموضع جيوسياسياً مع واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب، وواجه المجموعات الإرهابية المسلحة التي تهدد الأمن القومي الروسي والصيني بعائديتها لواشنطن وتل أبيب، ومن هنا تأتي أهمية العلاقة بين دمشق موسكو، والتقاء المصالح الكبرى فيما بينهما على مستوى الإقليم، بما في ذلك التواجد على الحدود التركية من جنوبها لتحديد طموحاتها من جهة، ولمواجهة حلف الناتو بقواعده في تركيا بقواعد روسية لم يستقر عددها بعد، وبنفس الوقت اندفعت دمشق للعلاقة مع موسكو من منطلق تقليل الخسائر للحد الأدنى، فاستعادت ما يقارب 70% من أراضيها، وتلقت دعماً عسكرياً كبيراً يمكنها من إعادة بناء جيشها، وهي حكماً ستكون الشريك الأساسي في إعادة الإعمار مع إيران بالدرجة الثانية والصين بالدرجة الثالثة.
*
*استقبلت دمشق مؤخرا الفريق الروسي الاقتصادي برئاسة نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف، وتبعه في اليوم التالي رئيس الدبلوماسية الروسية .ما دلالات توقيت الزيارة وهل من اسباب للتابع الزيارتين الاقتصادية والدبلوماسية ؟
بالأساس الزيارة متكاملة بشقيها الاقتصادي والسياسي ولا يمكن الفصل بينهما، ففي الملف السياسي كان هناك التأكيد على ثوابت دمشق بما يتعلق باللجنة الدستورية والقرار 2254 والانتخابات الرئاسية القادمة في منتصف العام القادم، بالرغم من كل القصف الإعلامي المسبق قبل شهر من موسكو على دمشق بما يتعلق بالإدارة الداخلية وتفشي الفساد وغياب الحلول السياسية، والانهيار الاقتصادي، إلا أن القرار النهائي هو بالتموضع مع رؤية دمشق واعتبار المعركة الرئاسية جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الذي يسعى شقه الغربي للتخلص من الرئيس الأسد بانتخابات تحت الإشراف الدولي، ما يتيح لهم الإتيان برئيس جديد يقبل بالتوجه نحو الغرب كاملاً، ويقوم بتسوية استسلام لإسرائيل تحت عنوان السلام، بالمقابل تستطيع موسكو ببقاء الرئيس الأسد تثبيت التوجه السوري نحو موسكو بشكل خاص وطهران وبكين بالدرجة الثانية، خاصةً بعد أن أثبت صلابةً وعناداً في مواجهة الضغط الغربي الكبير بالإعلام وإثارة الاضطرابات الداخلية.
*وما هي توقعاتك للملفات التي تمت مناقشتها سواء بين الفريق الاقتصادي أو الدبلوماسي ؟
العنوان الاقتصادي كان هو الأهم للوفد الروسي، خاصةً إذا نظرنا للصراعات الدولية الكبيرة على مصادر الغاز في شرق المتوسط، فموسكو تدرك تماماً بأن أحد مصادر قوتها الاقتصادية الأساسية هو الغاز بعد تزايد الاعتماد عليه كمصدر للطاقة النظيفة، وهي تواجه المحاولات الأمريكية لاستبعادها عن الاتحاد الأوروبي كمصدر رئيس له بمحاولات السيطرة على أغلب الاستثمارات في شرق المتوسط، بالإضاافة لطرق نقله، وتخوض لأجل ذلك المعارك والحروب مع حلفاء مختلفين في ليبيا، ومن الطبيعي أن تتركز المباحثات الاقتصادية على استثمار الغاز والنفط السوري على شاطئ البحر المتوسط، بالإضافة إلى لبنان التي وقعت معه شركة غاز بروم الروسية اتفاقاً لاستثمار الغاز بالإضافة لشركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، بالإضافة إلى ذلك المرافئ السورية وطرق النقل البري وسكك الحديد بما يعيد الحياة الاقتصادية لسوريا ما يجعلها جزءاً من المشروع الصيني الكبير”طريق واحد، حيّز واحد”.
تسربت انباء عن محاور زيارة لافروف لدمشق تتضمنت ضرورة اعتماد دمشق آلية جديدة لاستعادة الأموال المنهوبة ضمن عمل جدي للجنة مكافحة الفساد خلال نهاية العام وبداية العام القادم – ما مدى دقة تلك الانباء ؟
لا وجود لمعلومات حقيقية واضحة تؤكد ما حصل سوى ما نشرته جريدة الأخبار اللبنانية المقربة من سوريا، التي تحدثت عن الوساطة الروسية قبل زيارة لاڤروف بشهرين، بالرغم من ارتفاع أصوات الداخل التي تحث القيادة السورية على المبادرة لإيقاف تفشي الفساد وسيطرة الاقتصاد الموازي على ما يقرب من ثمانين بالمائة مما تبقى من الناتج الاقتصادي المحلي، وليس من المستبعد أن يكون بصلب اهتمامهم وتوصياتهم أن يتابعوا بعض هذه الملفات، مع تسرب معلومات قبل شهرين من زيارة لاڤروف عن نية مركز القرار السوري للبدء بحملة واسعة لملاحقة إدارات وقيادات سورية في مطلع العام القادم.
*وكالة تاس الحكومية الروسية سبق وذكرت أن الحرب في سوريا تكلف موسكو 2.8 مليون دولار يوميا – ما جعل بعض من المراقبين يروا أن روسيا تعمل ترتيبات للحصاد الاقتصادي لما قدمته من دعم للنظام السوري – ما تعليقكم ؟
مبلغ النفقات اليومية المذكور صغير جداً، وهو قد يزيد قليلاً عن نفقات أية قاعدة عسكرية كبيرة في داخل روسيا مع حساب الفارق بالأسعار والتكاليف بين البلدين، وبحسابات استراتيجية الدولة الروسية ستكون المكاسب التي تحققت لروسيا بدخولها الحرب لا يمكن تقديرها بثمن، فعدا عن تحقيق الأمن القومي الروسي في قتال الإرهابيين في سوريا وليس روسيا، استطاعت موسكو من خلال الحرب ونجاحها مع إيران والجيش السوري باستعادة قسم كبير من الأراضي السورية بتعجيل حضورها على المسرح الدولي وبدء العودة لقوة عظمى، والأمر الثاني الذي يذهب نحو تفسير مختلف هو حصول موسكو على استثمارات مناجم الفوسفات الضخمةومعمل تصنيعه، واستئجار مرفأ طرطوس لزمن خيالي نسبياً يصل إلى 49 عاماً وبشروط ميسرة، بالإضافة لآبار الغاز والنفط التي تمت استعادتها غرب الفرات، ومن المتوقع أن تحصل أيضاً خلال الأشهر القادمة على اتفاقيات اقتصادية ضخمة تشمل أربعين مشروعاً.
*الباحثة الروسية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط ماريانا بيلينكايا كتبت تقول في صحيفة كوميرسانت الروسية ( رجال الأعمال ) تقول :
فتحت روسيا صفحة جديدة في علاقاتها مع سوريا والاقتصاد في مقدمتها ونشأ هذا الانطباع بعد أول زيارة يقوم بها وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف إلى دمشق منذ ثماني سنوات،إذا لم يُقدم الأسد على إصلاحات، فسيبقى بلا مال، وفقط مع جزء من سوريا. سيكون هذا قراره. لكن في الوقت نفسه، يعتمد الكثير في سوريا على ما ستكون عليه سياسة أمريكا المستقبلية، وما سيحدث هناك بعد الانتخابات – ما تعليقكم ؟”.
تمثل الصحيفة كوميرسانت التوجهات الليبرالية الاقتصادية في الجناح الروسي، والسياسة الروسية بطبعها لا تريد العودة إلى زمن الاتحاد السوڤييتي، وتقديم المساعدات للدول الصديقة بلا حساب، فهي تسعى لأن تخفف الأعباء عنها ويكون شركائها قادرون على دفع المستحقات المالية، وهذا يتطلب من الشركاء أن يكونوا أقوياء اقتصادياً، وروسيا تتابع بشكل واضح تصاعد الانتقادات من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي واتهامها بتفضيلها لمصالحها مع تركيا عن المصالح مع سوريا التي تحققت، وبقاء ادلب تحت سيطرة الإرهابيين، والسماح لتركيا باحتلال مناطق واسعة من الشمال السوري، وهي لأجل ذلك تضغط إعلامياً من مراكز مقربة للقيادة الروسية لأجل الإصلاح السياسي والمالي، لتأمين بيئة مدنية آمنة لوجودها، وإرضاء تركيا والسعودية والإمارات بإيجاد حل سياسي يتيح لها تحقيق نفوذ مستدام، لكن هذا الأمر في الحسابات النهائية يتخلخل، ويتم إعادة رسم السياسات وفقاً للمصالح الروسية العليا.
وليس السوريين وحدهم من ينتظر الانتخابات الرئاسية الأميركية، بل غالبية الدول في العالم بسب الخلاف الجذري العميق بين دولة الأمن القومي الأميركية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وبين دولة أمن قومي جديدة مضادة للعولمة وتريد انسحاب القوات الأميركية المنتشرة خارج الولايات المتحدة، ففوز ترامبرسيعني انسحاب أمريكا من شمال سوريا وتسليم تركيا المناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما فوز جو بايدن سيؤثر على تركيا سلباً، وسيحاول إبقاء القوات الأميركية في العراق وسوريا.
*يتردد أن بوتن لديه عشرة رجال أعمال يقودهم تيميشينكو ويطلق عليهم أجنحة بوتن الاقتصادية ويمسكون بالاقتصاد الروسي والاستثمارات الخارجية وهم ذوي علاقات بالشركات ذات الميول الصهيونية
وهؤلاء اصبح لهم حضور ملموس في الاقتصاد السوري – ما مدى دقة هذه المعلومات ؟
الأمر يتطلب فهماً مختلفاً للسياسة الروسية انطلاقاً من انهيار الاتحاد السوڤييتي، وسيطرة رأس المال المتفلت من أي ضوابط على مقدرات روسيا في عهد يلتسين، والكثير من أصحاب رؤوس الأموال التي تشكلت هم يهود روس تربطهم علاقات جيدة مع إسرائيل، بالإضافة لوجود مليون يهودي روسي في إسرائيل يحافظون على جنسيتهم الروسية.
بعد استلام بوتن قيادة روسيا من يلتسين عام1999، وجد نفسه أمام إمبراطورية متداعية تحتاج لكل شيء، تتنازعها تيارات متعددة، فعمل على ضبط إيقاع هذه التيارات، منها التيار الليبرالي الاقتصادي الذي يمسك بالشركات الكبرى العابرة للحدود ولها علاقات واسعة بمركز رأس المال العالمي وإسرائيل، وهو يشكل تياراً قوياً في صناعة السياسات الروسية بالإضافة للتيار القومي الأورثوذكسي، والتيار الأوراسي الذين لا يملكان مثل هذه الشركات الضخمة، وهذا ما أتاح لهذه الشركات الاستثمار بأغلب مناطق العالم بصفتهم الروسية، ولا يمكن للدول أن تتعامل معهم بصفتهم الدينية أو علاقتهم مع إسرائيل شرط انضباطهم بالقوانين الروسية وقانون الدولة المستثمر بها، ولا يُستبعد أن يكون أمثال هؤلاء يعملون على الاستثمار الاقتصادي في سوريا.
2020-10-05