أحمد ألناصري
لمناسبة عيد الحركة الشيوعية العراقية، عيد الحياة والربيع وحلم الكادحين الجميل…
فهد يؤثث المكان بعناية بالغة، ويكتب نصه الأول على جدران مدينتي الفقيرة، لكن المشعة….
ف (من قبلِ أن نأتي القواعدَ
كنتَ قاعدةً أمام الله والطبقاتِ
كنتَ تفتِّتُ الأحجارَ بين الناصريّةِ والشمالِ
تقولُ للوردِ : التُّوَيجُ مُخَبّأٌ
وتقولُ للبُرْديّ : خبّأنا البنادقَ فيكَ
للورقِ : الجريدةُ أنتَ .
للمتياسرينَ : إلَيَّ !
للفوضى : سلاماً للّذين يُنَظِّمونَ مدائحَ الفوضى
وينتقلون بين الناصريّةِ والشمال) .
فهد يسقي حديقتنا بالأمل….
جواد عبد الكريم (أبو نبأ) ذكريات من عمق الذاكرة…
أكتب عن وجوه وأصدقاء ورفقة طويلة وجميلة، وعن علاقات وذكريات قديمة راسخة لا تسقط من الذاكرة والروح والوجدان، مر عليها الآن أكثر من أربعين سنة. ذكريات هي كل حياتي وتجربتي ووعيي وموقفي، وهي طاقتي المشعة ومعنى معين لوجودي. لذلك لن اتنازل عنها ولا اتركها تذهب أدراج الريح….
الرفيق جواد عبد الكريم (أبو نبأ) بن مدينة الشطرة، المدينة السياسية والثقافية بخصائها الجميلة والبهية، العسكري المفصول والمهدد (سيلاحقهم النظام بقانون يحكمهم بالإعدام). المجازف بحياته والعامل ضمن مجموعة مقر الناصرية المراقب والمطوق والمحاصر ليل نهار بعيون جلاوزة الأمن (خرجت من المقر في أكتوبر78، كانت تنتظرني سيارة الأمن، طوقني ستة من ثيران الأمن الوحشية الشرسة، حاولت مقاومتهم اسقطوني أرضاً وسحقوني بأخذتيهم الثقيلة والقوني بالسيارة واعتقلوني في مديرية أمن الناصرية الرهيبة. كفلني الشهيد عبد العال موسى أبو مؤيد. سألوني إلى أين تذهب قلت سأعود إلى المقر وعدت).
الرفيق جواد بعينيه الكبيرتين المحمرة دائماً دون سبب، وقلب طفل نقي. جواد الكادر الجماهيري الشعبي، الذي تجده وتلتقي به في عمق الريف والمدينة وفي كل شارع وحارة وبيت ومقهى، وهو القاريء والمتابع للأدب والفكر الماركسي، بما توفر من كتب ومصادر في مكتبة المقر…
الرفاق القادمون من أعماق الريف، لم يكن لديهم بيوت أو غرف بسيطة حتى للإيجار، لذلك فهم يعيشون في مقر الحزب، ويستريحون في ضيافة الرفاق في بيوت المدينة المشرعة لهم في كل وقت.
جواد طاقة خلاقة عجيبة، لكن بشرط أن يكون في وضع سليم. ما أن تسأله عن معنى او القصد من اسمه حتى يسمعك ما هو جاهز ومتكرر (أبو نبأ) يعني (أبو كالة بال ك الفارسية) قالة وقول، وهو حامل الأخبار والتقولات والقيل والقال وناشرها بمتعة وتلذذ. فهو يسمع ويطلع على كل شيء من خلال علاقاته الواسعة، ثم ينشره بسهولة وبلا تردد، دون مراعاة للمصدر أو الضوابط المتجهمة المطلوبة. كان ليبرالياً على طريقته الفطرية الجميلة…
وهو المبادر البسيط. كان ينظف كل المقر ويكنس الشارع، ويطبخ ويقدم الشاي العراقي للصغير قبل الكبير، ويستلم حراسات طويلة زائدة لحماية المقر، خارج واجبه وعمله، دون تكليف أو حساسية (بيروقراطية) شائنة وزائفة لا تليق بإنسان طبيعي أو بمناضل حقيقي يعمل بين الناس ومن أجلهم…
في ال 78 البعيدة والقاسية، صدر قانون فاشي بأثر رجعي بأن كل عسكري انتمى لحزب سياسي غير حزب البعث الفاشي الحاكم تسقط عليه المقصلة ويعدم، أو يتنازل بشكل كامل بلا حدود (التنازل هنا لا حدود له حسب خطط الفاشية والأمن العام المحكمة في التسقيط والتدمير والمسخ)!
لم يتراجع او يتنازل جواد، استمر وهرب إلى الخارج (رغم الاعدام الذي يطارده حتى الحدود. البعض منهم تنازل وتعاون مع الفاشية والأمن العام (في الداخل والخارج) ثم جرى اكتشافه بمحض الصدفة بعد عقود من التخريب، وواجه الأمر بصلف وصفاقة قل نظيرهما، والبعض لم ينكشف وربما تسبب باعتقال وقتل رفاق ضمن وضع مختل ومتخلخل).
عاد جواد إلى كردستان، وهاجر إلى منفى آخر، بعيد بارد، ليموت فيه بعد رحلة المخاطر العجيبة هذه…
جواد الإنسان الطبيعي اليومي الجميل، وهو الواضح المباشر غير المتقلب، الذي لا يخضع لمتطلبات شروط وأحكام الظروف الجائرة القاهرة والصعبة. هو يعرف كيف يقاوم ويستمر بإمكانيات بسيطة وشحيحة.
سلام جواد ولتلك الحكاية التي لا تنتهي وأنت تنشرها نبأ بين الناس وعليهم…
يا لها من مهنة قاسية وشاقة أن تبحث في دفاتر وأوراق الغائبين…
جواد عبد الكريم (أبو نبأ)
مواليد 1949 الشطرة الناصرية
عسكري مفصول محكوم بالإعدام
درس في بلغاريا دراسة حزبية وعاد من الخارج إلى كردستان
هاجر ومات في منفاه السويدي البعيد…
جواد لذكراك العاطرة البهية كل الود الرفاقي والصداقي وأنت تشع في الذاكرة حيث بقاياك منثورة في شوارع وأزقة وبيوت وحارات المدينة…
* حاولت العثور على صورة للفقيد جواد وفشلت. أرجو تزويدي بصورة له لمن يمتلكها من الأصدقاء وسأكون شاكراً….
2018-03-29