تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (17)!
د. عمر ظاهر.
الجهل عند داروين .. رصيد معرفي ودليل علمي
الباحثون العلميون يعرفون أن النظرية القوية تتأسس على وفرة من المعلومات الموثقة. لكنْ من المسلم به أيضا أن ظهور معلومات جديدة قد تغير في منزلة النظرية، تعدلها، أو توسعها، أو تسد نقصا فيها، أو حتى تفندها وتدحضها. عندما تكون المعلومات شحيحة، أو غير كافية لوضع نظرية معقولة، فإن مهمة الباحثين تكون أولا توليد المعلومات، وتوفيرها، وجمعها، وربطها ببعض، واستخدامها في وضع نظرية معقولة، مع وضع حقيقة أزلية في الحسبان، وهي أن المزيد من المعلومات ستغير النظرية.
كتاب داروين “في أصل الأنواع” يكشف بجلاء أن الرجل ربما كان واعيا بهذه الحقيقة، لكنه كان لا يبالي بها، فقد تعود أن يقول ما يراه ويعتقده على خلفية معلومات هزيلة، وغير موثقة، أو حتى على خلفية من الجهل. وكان يعتبر كل تلك النواقص في المعلومات واحدة من نقاط قوته. إنه حين كان يبرز نقص المعلومات، فلم يكن يفعل شيئا للبحث عن معلومات إضافية، أو التحفظ على استنتاجاته، بل كان يقفز على النواقص، وكأنها عيوب الآخرين، دون أن يتوقف ليرى أن نظريته هو ستكون ناقصة لأنها تبني على معلومات هزيلة، بل ومضحكة. إنه يكاشف القارئ بمفاجأة قائلا:
أن غرائز الحيوانات لم تتم مراقبتها علميا إلا بشكل قليل في أي مكان فيما عدا أوروبا وأمريكا الشمالية، وأنه لا توجد أي غريزة معروفة بين الأنواع المنقرضة – فكيف يمكن بشكل عام اكتشاف التدريجات، المؤدية إلى الغرائز المعقدة جدا. والتغيرات في الغريزة يمكن أحيانا أن يتم تيسيرها عن طريق حيازة نفس النوع لغرائز مختلفة في فترات مختلفة من الحياة، أو في فصول مختلفة من السنة، أو عند الوضع تحت ملابسات مختلفة، وخلافه. وفي هذه الحالة فقد يحتفظ الانتقاء الطبيعي بإحدى الغرائز أو الأخرى. ومثل هذه الأمثلة لاختلاف الغريزة في نفس النوع من الممكن إظهار حدوثها في الطبيعة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 396/397)
هذا هو تحديدا ما يمكن أن ينتقده المعترضون عليه، ويسألوا: لماذا لم ينشئ داروين أبحاثه على المعرفة التي كانت متوفرة في أوروبا؟ ولماذا لم يقم بنفسه بإجراء مراقبات وبحوث مكثفة في غرائز الحيوانات تضيف إلى المعرفة الموثقة، وصار بدلا من ذلك يقوم بعمل الفيلسوف في النظر إلى ما فعله، أو في الحقيقة لم يفعله، الآخرون في القارات البعيدة، والاستنتاج منه؟
إنه يقول: “والتغيرات في الغريزة يمكن أحيانا أن يتم تيسيرها عن طريق حيازة نفس النوع لغرائز مختلفة في فترات مختلفة من الحياة، أو في فصول مختلفة من السنة، أو عند الوضع تحت ملابسات مختلفة، وخلافه”. هذا كلام يثير الفضول العلمي، فعلا. ولكنْ، من أين عرف داروين ذلك؟ ألم يكن من الأنسب أن يبين مصدر هذه المعلومات، ثم يبين لنا كيف ينطبق هذا الحديث على حيوان من الحيوانات التي انشغل بها سابقا، مثلا البط الداجن، أو الخراف الإسبانية في مقاطعة ساكسوني، أو على قطته، أو كلبه؟ كان سيكون جميلا أن يبين لنا داروين كيف اختلفت غريزة واحدة من غرائز الكلب في زمنه، مثلا، عما كانت عليه قبل مئة سنة. كان بإمكانه، ولو بالحديث مع المسنين في منطقته، أن يقول لنا شيئا فيه بعض المنطق الذي يمكن أن يصدقه الناس. وكان الأكثر سهولة من ذلك أن يراقب غرائز الكلب في مختلف المواسم لسنتين أو ثلاث، ويقدم لنا معلومات موثقة. أما الكلام عما كان قد جرى ووقع قبل ملايين السنين، وعلى خلفية النقص الشديد في المعلومات في زمنه، فأمر ترك داروين وفي حوزته ادعاءات بلا أدلة علمية، وهو باعتباره (عالما) تطلب منه الأدلة العلمية، وليس غيرها. ولو أنه قال شيئا صحيحا بلا بحث وأدلة دامغة، فإنه إما كان يتلقى وحيا من السماء – وهذا مستبعد لأن الانتقاء الطبيعي إله على الأرض، أو كان يردد أمورا عرفها الآخرون بالتجربة، وتوارثوها، أو حتى عن طريق البحث، وجاء هو ليعرضها علينا وكأنه اكتشاف مبين على يديه هو. وهذه ليست من صفات العالم.
ثم يقول “ومثل هذه الأمثلة لاختلاف الغريزة في نفس النوع من الممكن إظهار حدوثها في الطبيعة.” لكنه لا يظهر حدوثها، بل يكتفي بوصف غريزة ما كما هي الآن، ويتخيل كيف كانت قد بدأت قبل ملايين السنين.
داروين يستمر في إطلاق الأحكام على هذا المنوال، ويبدو أنه سيقول بشأن الغرائز كل ما قاله بشأن الأعضاء والتراكيب، مثلا أن الانتقاء الطبيعي يكوّن لدى الكائن الحي من الغرائز ما ينفعه هو، وليس غيره. يقول، ويجب أن يحتفظ القارئ في ذاكرته بما يقول:
ومرة أخرى، وكما في حالة التركيب الجسدي، وبشكل مطابق لنظريتي، فإن الغريزة الخاصة بكل نوع مناسبة لنفس النوع، ولكن لم يحدث أبدا – بقدر ما نستطيع أن نحكم على الأمور – أن تكونت هذه الغريزة للمنفعة الخاصة بالآخرين. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 397)
ويبرز الجهل بالأسباب مرة أخرى. يقول داروين:
وأنا أستطيع أن أؤكد فقط أن الغرائز تختلف بالفعل – وعلى سبيل المثال، فلنأخذ غريزة الهجرة، فيما يتعلق بمداها واتجاهها، وفي الخسائر الإجمالية. وهذا هو الحال مع أعشاش الطيور، والتي تختلف جزئيا اعتمادا على المواقع المختارة وعلى طبيعة ودرجة حرارة الإقليم الذي تقطنه الطيور، ولكن في أحوال كثيرة فإن ذلك نتيجة أسباب غير معلومة لنا على الإطلاق. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 398)
مهمة الباحثين هو العمل للوصول إلى الأسباب المجهولة للظواهر. أما أن تفسر شيئا بالأسباب المجهولة فلا نعرف أحدا قام بمثل هذا الشيء غير السيد تشارلز داروين. إنه اعتبر على الدوام الجهل بالأشياء رصيدا معرفيا، وقدمه كجزء من أدلته العلمية.
ويختم داروين هذه الفقرة عن الغريزة بالقول:
وكون أن القدرات العقلية للحيوانات التي من نفس الصنف، والمولودة في البيئة الطبيعية، تختلف بشدة، فإن هذا من الممكن إيضاحه عن طريق الكثير من الحقائق. ومن الممكن أيضا تقديم العديد من الحالات بعادات عارضة وغريبة موجودة في الحيوانات الوحشية، والتي لو كانت ذات فائدة للنوع، فقد كان من المحتمل أن تؤدي من خلال الانتقاء الطبيعي إلى غرائز جديدة. ولكنني على علم تام بأن هذه التصريحات العامة، بدون وضع الحقائق بالتفصيل، سوف لا تحدث إلا تأثيرا ضعيفا على عقل القارئ. وأنا أستطيع فقط أن أكرر تأكيدي، بأنني لا أتكلم بدون دليل قوي. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 399/400)
دعنا ننظر في محتوى الاقتباس ونعقّب عليه قليلا:
“كون أن القدرات العقلية للحيوانات التي من نفس الصنف، والمولودة في البيئة الطبيعية، تختلف بشدة، فإن هذا من الممكن إيضاحه عن طريق الكثير من الحقائق.”
أين هي الحقائق يا سيد داروين؟ لماذا لا توضحها هنا؟
“ومن الممكن أيضا تقديم العديد من الحالات بعادات عارضة وغريبة موجودة في الحيوانات الوحشية، والتي لو كانت ذات فائدة للنوع، فقد كان من المحتمل أن تؤدي من خلال الانتقاء الطبيعي إلى غرائز جديدة.”
اعطنا بعض الأمثلة أيها السيد الباحث العالم.
“ولكنني على علم تام بأن هذه التصريحات العامة، بدون وضع الحقائق بالتفصيل، سوف لا تحدث إلا تأثيرا ضعيفا على عقل القارئ.”
لماذا، إذن، لا تضع الحقائق بالتفصيل؟
“وأنا أستطيع فقط أن أكرر تأكيدي، بأنني لا أتكلم بدون دليل قوي.”
اعطنا دليلا قويا واحدا، إذن، حتى نصدق بك.
مرة أخرى، الحيوانات الداجنة نموذجا للغرائز في الطبيعة
داروين يعود إلى التدجين، بأمثلة سطحية عابرة، لتفسير ما قد يكون حدث بفضل العادة والانتقاء الطبيعي قبل ملايين السنين. ويتعرض في اقتضاب شديد إلى أمثلة عن القطط التي تصطاد بعضها الفئران، وبعضها الجرذان، وبعضها الآخر الأرانب، أو حتى الطيور، دون تقديم تفسير لمثل هذه الاختلافات التي اكتشفها. كذلك يضرب الأمثلة عن كلاب الإرشاد، وكلاب الصيد، وعاداتها، ويقدم معلومات عامة يعرفها الرعاة من آلاف السنين. ومنطلقه هو، مرة أخرى، أن:
إمكانية أو حتى احتمال حدوث، التدريجات الموروثة للغريزة في البيئة الطبيعية سوف تزداد قوة بعد الدراسة بإيجاز لبعض الحالات القليلة التي حدثت تحت تأثير التدجين. وبالتالي فنحن سوف نستطيع أن نشاهد الدور الذي قد لعبه كل من العادة والانتقاء الخاصين بما يسمى بالتمايزات العفوائية، في تحوير القدرات الذهنية لحيواناتنا الداجنة. وإنه لشيء غريب ملاحظة إلى أي مدى تختلف حيواناتنا الداجنة في قدراتها الذهنية. فمع القطط – على سبيل المثال – فواحدة منها تتجه بالطبيعة إلى الإمساك بالفئران، والأخرى بالجرزان، والمعروف عن هذه القابليات أنها متوارثة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 400)
مرة أخرى، لماذا، إذن، لم يقم بنفسه بدراسة ميدانية لبعض الحيوانات الداجنة في بريطانيا، ويؤسس أفكاره عن الغرائز على تلك الدراسة؟ إننا سنجد بعد قليل أن الحالات التي يتناولها لا علاقة لها بالحيوانات المدجنة، ولا بحيوانات تعيش في البيئة الطبيعية في بريطانيا.
لم يشرح داروين ما هو التمايز، أو التعديل العفوائي (أو التلقائي). هل هو نفس الانتقاء غير المقصود الذي تحدث عنه سابقا، مثلا لدى القبيلة البدائية التي تأكل في زمن المجاعة عجائزها وتبقي على كلابها؟ أم هو شيء آخر؟ إنه لخبط فقط الموضوع في الاقتباس أعلاه، فقد تحدث عن التدريجات الموروثة، ثم عن التمايزات التلقائية، ثم عن القدرات الذهنية لحيواناتنا الداجنة. ومن كل هذا رشحت معلومة واحدة باهتة، وهي أن هناك قطط تتجه بالطبيعة إلى الإمساك بالفئران، وأخرى بالجرذان، فأين وجه التدرج بين الحالتين؟ وأين التمايز التلقائي؟ وما علاقة كل هذا بالقدرات الذهنية لحيواناتنا الداجنة؟
ثم إن القارئ يعرف الحيوانات الداجنة. لكن كيف تكون هناك “غرائز داجنة” أيضا؟ لننظر إلى ما يحدثنا عنه داروين:
الغرائز الداجنة يقال عنها في بعض الأحيان إنها الأفعال التي قد أصبحت متوارثة بشكل كلي نتيجة لعادة إجبارية مستمرة لفترة طويلة، ولكن هذا ليس صحيحا. فلا يوجد أحد يكون قد هداه تفكيره إلى تعليم، أو قد استطاع أن يعلم الحمام البهلواني كيف يتشقلب، وهو فعل – كما شاهدته بنفسي – يقوم به صغار هذه الطيور، التي لم يسبق لها إطلاقا مشاهدة حمامة تتشقلب. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 402)
هذه إشكالية فلسفية أخرى. ما معنى الغرائز الداجنة (في النص الأصلي Domestic instincts – الفقرة 211)؟ إذا بحثنا عن هذا المصطلح في أي مكان فإنه يجري توجيهنا إلى داروين، فهو مصطلح خاص به هو فقط. وهو يورد تعريفا للغرائز الداجنة، قائلا “إنها الأفعال التي قد أصبحت متوارثة بشكل كلي نتيجة لعادة إجبارية مستمرة لفترة طويلة”. لكنه ينفي أن يكون ذلك صحيحا. ما هو غير الصحيح؟ هل الغرائز الداجنة، إذن، ليست أفعال قد أصبحت متوارثة بشكل كلي نتيجة لعادة إجبارية مستمرة لفترة طويلة؟
ثم تجد في الفقرة التاية أنه، مع ذلك، يستخدم مصطلح “الغرائز الداجنة”، ثم يقول في السياق أنه لا يوجد أحد يكون قد هداه تفكيره إلى تعليم، أو قد استطاع أن يعلم الحمام البهلواني كيف يتشقلب، والتشقلب هو فعلٌ – شاهده داروين بنفسه – يقوم به صغار هذه الطيور، التي لم يسبق لها إطلاقا مشاهدة حمامة تتشقلب. يُفهم من هذا أن هذا الذي يقوم به صغار الحمام البهلواني ليس غريزة داجنة أصبحت متوارثة بشكل كلي نتيجة لعادة إجبارية مستمرة لفترة طويلة. فما هو هذا التشقلب الذي يقوم به صغار هذه الطيور، إذن، إذا لم يسبق لها أيضا مشاهدة حمامة تتشقلب، أي إنها لا تقلد حمامة تتشقلب أمامها؟ من أين جاء هذا التشقلب؟ لا بد أن يكون ذلك نتيجة غريزة غير داجنة. أليس كذلك؟ وما هي، إذن، الغرائز غير الداجنة؟ وما الذي أضافه إلى البحث إدخال مصطلح جديد، “الغرائز الداجنة”، غير المزيد من التشويش؟
المهم في الأمر هو أن داروين شاهدٌ على أن هناك حمامة تتشقلب، لكنه لم يبحث في أمره وأمر تشقلبه. من أين يستقي المعلومات عن هذا الطائر المتشقلب، إذن، وكيف يفسر نشوء غريزة التشقلب عنده، إذا كان داروين يعتبر التشقلب، أصلا، غريزة؟ يقول:
ومن الجائز أن نعتقد أن حمامة واحدة ما قد أبدت قابلية لهذه العادة الغريبة، وأن الانتقاء المستمر لمدة طويلة، لأفضل الأفراد في أجيال متتالية قد جعلت هذا الحمام البهلواني على ما هو عليه الآن. وكما سمعت من السيد برنت (Mr. Brent) – فإنه يوجد حمام بهلواني منزلي، لا يستطيع أن يطير لارتفاع ثمانية عشر بوصة بدون أن ينقلب رأسا على عقب. (ص 402)
داروين يفلسف في الغريزة، ويتناول كمادة لفلسفته طائرا شاهده ذات مرة يتشقلب، وسمع عنه أيضا من السيد برنت. تُرى ألم يكن عمله الفلسفي أكثر مصداقية لو أنه أستفاد من كلبه، وقام – أسوة بالعالم الروسي إيفان بافلوف، بإجراء بعض الأبحاث عن غريزة من غرائز الكلاب؟ كان يمكنه أن يقول لنا أن تجربته استمرت عشرين سنة مثل قصته مع أبحاثه بعد رحلة السفينة بيغل، والتي لن يدخلها في هذا الكتاب إلا في أبوابه الأخيرة. لماذا لم يقم داروين بذلك؟ الجواب بسيط، وهو أن داروين لم يكن باحثا يجري دراسات يوثق بها مزاعمه. إنه يقوم بعمل فلسفي يعتمد على الاطلاع على أبحاث الآخرين. إنه يفسر ما يسمعه من الآخرين.
أما أنه شاهد ذات مرة، وسمع من شخص أيضا، فصار يضع فرضيات خرقاء عن كيفية نشوء هذه الغريزة فمسخرة داروينية. ويقول، وكأنه تناول لتوه جرعة من دواء منعش، أن من الجائز له أن يعتقد أن الغريزة بدأت بحمامة واحدة كانت لها تلك القابلية الغريبة على التشقلب (دون أن يقول من أين جاءت تلك القابلية)، وأن الانتقاء المستمر لفترة طويلة (أي انتقاء؟ الطبيعي، بطبيعة الحال) تلقف تلك القابلية، فحوّلها إلى عادة، ثم إلى غريزة محتفظا بها في أفضل الأفراد في أجيال متتالية. وهذا الكلام الذي ألقاه داروين على عواهنه يجر عليه أسئلة كثيرة. تُرى، هل رأى الانتقاء الطبيعي تلك القابلية مفيدة لذلك الفرد، أو لسلالته، أو لنوعه؟ أم أنه وجد تلك القابلية لائقة بأفضل الأفراد؟ ماذا كانت فائدتها؟ وماذا كانت أفضلية تلك الأفراد؟ هل كان ذلك الفرد الذي ظهرت عنده القابلية الغريبة على التشقلب قد تمايز عضويا بشكل مختلف عن بقية الأفراد؟ ألم تنشأ تلك القابلية بالترابط مع تمايز عضوي، شأنه شأن بقية التمايزات التي يحتفظ بها الانتقاء الطبيعي كما زعم قبل قليل؟ وماذا كانت علاقة تلك القابلية على التشقلب بالصراع من أجل البقاء؟ وهل كان هناك، إذن، أيضا أفراد آخرون لم تنشأ عندهم تلك القابلية فانقرضوا هم وكل ذراريهم لأنهم لم يتعلموا التشقلب، وبذلك فشلوا في الصراع على البقاء؟
على ضوء القصة الشيقة التي نسجها داروين عن الحمام المتشقلب نستطيع أن ننسج قصصا أخرى، مثلا أنه في البداية كانت هناك أنثى واحدة بين كل الكائنات الحيوانية ظهرت عندها قابلية لإظهار الأمومة (وهذه لم يصنفها داروين ضمن الغرائز البالغة الروعة، أو الأكثر إدهاشا)، فجاء الانتقاء الطبيعي وتلقف تلك القابلية، وحولها إلى عادة، ثم إلى غريزة عند أفضل الأفراد في الأجيال اللاحقة من تلك الأنثى، ثم انتقلت تلك الغريزة ربما بالعدوى إلى إناث الكائنات الحية الأخرى، وهكذا.
داروين يملأ صفحتين من مثل هذا الحديث عن طيور أخرى غير المتشقلبة، مثل الدجاج، ويسجل بفخر واعتزاز ملاحظته أن الدجاج الذي أصبح، بفضل التدجين والاعتياد متمدينا، فقد بعضا من غرائزه من زمن الوحشية، مثلا لم يعد خائفا من القطط والكلاب. السؤال الذي لم يكن داروين يظن أن أحدا سيوجهه إليه هو: إذا كانت الغريزة تنشأ نتيجة تعديلات بسيطة بالترابط مع التعديلات العضوية، ويحتفظ بها الانتقاء الطبيعي، وهي أيضا تفقد عن طريق عدم الاستخدام (انظر ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 396)، فهل تُفقد الغرائز، دون أن تفقد التعديلات العضوية التي نشأت بالترابط معها؟ إذا كان الدجاج عنده غريزة الخوف من القطط والكلاب في زمن الوحشية، وزال هذا الخوف في زمن التحضر والتمدين دون أن يفقد الدجاج شيئا من تمايزاته العضوية، فهذا يعني أن الغريزة لا علاقة لها بالتطور أو التعديل العضوي. وإثبات هذا أو عكسه لا يكون بما يعتقده داروين أو لا يعتقده، بل بإجرائه دراسات معمقة سوية مع اختصاصيين في الغرائز وعلماء التشريح.
إن داروين سيعطينا، في الحقيقة، في بقية الباب أدلة قوية عديدة على أن ما يقوله هو محض هراء.
يتبع ..
2021-02-19