ترمب .. بين احترام إيران وازدراء السعودية
تحليل سياسي – سعد الفاعور
بلغة سياسية مفهومة لا تخلو من القسوة ومنطق الأذى والقوة الأحادية المتفردة، شغل الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس العالم بأكمله وهو يتحدث عن الأزمة مع إيران.
ترمب عبر عن رغبة ملحة بأن يتواصل معه الإيرانيون، في محاولة منه لإظهار أن ما تفاخرت به إدارة باراك أوباما، بوصفه إنجاز القرن، هو مجرد اتفاق هش وغير قابل للحياة، في ضربة يراد منها تدمير سيرة الرئيس الأميركي السابق أوباما، وهو ما يمكن البناء عليه واستنتاج أن من بين دوافع ترمب للتصعيد ضد إيران هو خلافات انتخابية وحزبية وتصفية حسابات مع الديمقراطيين.
ترمب، تحدث عن امتلاكه معلومات خطيرة عن تحركات إيرانية لا يود الإفصاح عنها تمس الأمن القومي الأميركي، وهذه المعلومات بحسب تسريبات الصحافة الأميركية قدمها جهاز الموساد الإسرائيلي، وإن كانت بعض التسريبات ذكرت أن الموساد تجرع طعما إيرانيا، وأن المعلومات مررت للموساد من خلال المخابرات الإيرانية وعملائها بهدف تكريس معادلة إيرانية جديدة في المواجهة مع أميركا ترتكز على مفهوم “توازن صراع الأذى” أي نستطيع كإيرانيين إيذاء مصالح الأميركيين في أكثر من منطقة وليس بالضرورة بأيدي إيرانية.
وفي تأكيد على بواعث الصراع الحزبي مع الديمقراطيين، طالب ترمب بمحاكمة جون كيري وزير الخارجية الأميركي الأسبق في عهد إدارة باراك أوباما، الذي تولى إدارة ملف المفاوضات الأميركية مع الإيرانيين بشأن الاتفاق النووي، واتهمه بأنه يتواصل مع الإيرانيين بطريقة مخالفة للدستور، وأن تواصله مع الإيرانيين يعرضه للمساءلة القانونية، في تأكيد آخر على أن من بين بواعث التصعيد مع إيران هو خلاف ترمب مع حقبة أوباما ورموز تلك الحقبة!
كذلك كان لافتا حديث ترمب باستهزاء عن مستشاره جون بولتون، ووصفه له بأن “لديه آراء قوية حيال الأمور” لكنه يستطيع “ضبطه”. وإشارته إلى أن لديه مساعدين آخرين من الحمائم يعملون إلى جانبه لكن في النهاية القرار له. وكأن ترمب أراد هنا أن يخوف وأن يغري الإيرانيين في آن واحد. فالمستشار جون بولتون معروف عنه انه متشدد بل متطرف جدا في العداء ضد إيران، وهنا أشار ترمب بوضوح إلى قدرته على “ضبط” تهور بولتون وكبح جماحه. وفيما يشبه التلويح بالجزرة إلى الإيرانيين، قال ترمب: “لدي مساعدين آخرين من الحمائم” أي أيها الإيرانيون، إن رغبتم في التفاوض فلا تخشوا بولتون، فلدي مساعدين آخرين أقل تشددا ومن الحمائم، وفي النهاية الأمر كله بيدي، أي تفاوضوا معي مباشرة.
وفي تحليل ومقارنة بسيطة بين الأسلوب الذي تحدث فيه ترمب عن إيران والأسلوب الذي يتحدث فيه في مؤتمراته الصحفية ومهرجاناته الانتخابية عن ملك الاستخراء ونجله الدب الداشر، يتأكد للمراقب والباحث أن ترمب تحدث باحترام عن إيران، بعكس إصراره في كل مرة على إظهار النظام الوهابي على أنه مشروع بقرة مدرة للدولارات ولتمويل صفقات الأسلحة وخلق وظائف وتقليل البطالة داخل السوق الأميركية.
ترمب، على عكس طريقته المهينة والمزرية في الحديث عن السعودية ونظامها الوهابي الحاكم، تحدث عن إيران بلغة سياسية قاسية لكنها لغة محترمة، بل أظهر احتراما لإيران أكثر مما أظهر لمستشاره بولتون وبقية مساعديه الآخرين الحمائم.
ترمب وصف ايران بالخصم الذي يريد امتلاك سلاح نووي، وأنه لن يسمح بذلك، لكنه مستعد لإعادة التفاوض مع طهران مقابل إلغاء العقوبات ومساعدة الإيرانيين اقتصاديا.
وهذا منطق المفاوض الذي يتعامل مع الآخر بندية واحترام، فهو مثلا لم يقل للإيرانيين أنكم بدوننا لن تصمدوا ١٢ دقيقة، بل شدد على عدم رغبة بلاده في الدخول بمواجهة عسكرية مع إيران.
في أي مقارنة، ووفق أي منهج بحثي، وحتى وفق معايير العلوم السياسية ولغة القانون، فإن حديث ترمب عن إيران جاء في سياق سياسي بعكس حديث ترمب الساخر والمهين والبعيد تماما عن المعايير السياسية عندما يتعلق الأمر بالسعودية والملك سلمان وولي عهده.
2019-05-10