ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة في العراق!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تُعدُّ الهوية الوطنية الجامعة ركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة وتعزيز تماسكها الداخلي. فالمجتمع الذي تتعدد فيه الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية، كما هو الحال في العراق، يواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في كيفية الانتقال من الولاءات الفرعية إلى الولاء الوطني الشامل، الذي يُغَلِّب مصلحة الوطن على ما سواها.
أولاً: معوّقات الهوية الوطنية في العراق
شهد العراق خلال العقود الماضية تشظيًا في الهوية الوطنية لأسباب متراكمة، منها:
1. الإرث التاريخي للأنظمة السياسية التي وظفت الطائفية والعشائرية أداةً للهيمنة.
2. الاحتلال العسكري عام 2003 وما تلاه من نظام محاصصة طائفية وقومية، كرّس الانقسام بدل الوحدة.
3. ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن تقديم الخدمات بعدالة، مما عزّز الانتماءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية.
4. استغلال الدين والمذهب في السياسة، بحيث تحولت الممارسات العقائدية إلى أدوات صراع لا إلى قيم جامعة.
ثانياً: سُبل ترسيخ الهوية الوطنية
1. إصلاح النظام التعليمي:
• اعتماد مناهج تُبرز تاريخ العراق المتنوع، دون إقصاء أي مكوّن.
• تدريس قيم المواطنة وحقوق الإنسان، وتضمين السير الوطنية الجامعة مثل ثورة العشرين، وانتفاضات الشعب ضد الاستبداد.
2. إعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة:
• استبدال المحاصصة الطائفية بمبدأ الكفاءة والنزاهة.
• جعل الوظيفة العامة رمزًا للمواطنة المتساوية، بعيدًا عن الولاءات الضيقة.
3. الإعلام الوطني الهادف:
• مواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وتبني خطاب يوحد العراقيين عبر إبراز المشتركات: اللغة، التراث، الرموز الوطنية.
4. إحياء الرموز الجامعة:
• ترسيخ ذكرى رموز عراقية وطنية كالجواهري، الزهاوي، الزها حديد، والسياب، الذين تجاوزوا الحدود الطائفية والقومية.
• الاهتمام بالرياضة والفن بوصفهما فضاءين محايدين يجتمع فيهما العراقيون دون حساسيات.
5. العدالة الانتقالية والمصالحة:
• معالجة آثار الاستبداد والتمييز، عبر الاعتراف بالضحايا وتعويضهم.
• بناء ثقافة التسامح والعيش المشترك.
ثالثاً: دروس من التجارب المقارنة
• جنوب أفريقيا: تجاوزت انقساماتها العرقية عبر مشروع “الأمة الواحدة” بقيادة نيلسون مانديلا، الذي جعل المصالحة طريقًا للوحدة.
• ماليزيا: رغم التعدد العرقي والديني، استطاعت عبر سياسات تعليمية واقتصادية عادلة أن تصوغ هوية وطنية متوازنة.
• رواندا: بعد مأساة الإبادة الجماعية، ركزت على بناء هوية “رواندية” بديلة عن الهويات الإثنية الضيقة.
خاتمة
إن ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة في العراق ليس شعارًا نظريًا، بل مشروعًا متكاملًا يحتاج إلى إرادة سياسية، وإصلاح مؤسساتي، وتربية مجتمعية جديدة. الهوية الوطنية الحقة لا تُبنى بالإقصاء أو الهيمنة، بل عبر العدالة والمساواة والاعتراف المتبادل. حين يشعر العراقي، أيًا كان انتماؤه، أن الدولة تحميه وتعامله بعدل، عندها فقط تصبح “العراقية” هوية جامعة تتفوق على كل الانتماءات الفرعية.
2025-10-01