تداعيات التداول اللاسلمي للسلطة!
أ.د عامر حسن فياض
عكست مؤلفات ارسطو وأفكاره السياسية حرصاً واضحاً على التمسك بفكرة التداول السلمي للسلطة وإنتقالها إعتماداً على نظامي القرعة والانتخاب منفردين أو مجتمعين. وقد كانت فكرته المبتكرة بشأن تقسيم وظائف السلطة والفصل بينها والمعروفة اليوم بعنوان (نظام الفصل بين السلطات) تؤكد حرصه هذا على فكرة التداول السلمي للسلطة.
بيد أن تفضيل أرسطو للتداول السلمي للسلطة، لم يمنعه من البحث في الوقائع العملية للتداول اللاسلمي لها، وهو ما انتهى به الى وضع اسس اول نظرية عن الثورة في تاريخ الفكر السياسي، والتي فسر بها الثورات واسبابها بفرضية اساسية مفادها : (إن السبب الاساس للثورة ، هو الصراع بين الاغنياء / الاولغارشية والفقراء/ الديمقراطية، وإنعدام التناسب والتوازن بين الادوار الاقتصادية والسياسية لكل طبقة منهما). فالاساس العقائدي للنظام الديمقراطي هو تساوي حريات الناس بما يستتبع تساويهم في كل شيء، بينما الاساس العقائدي للنظام الاوليغارشي هو تفاوت مراتب الناس وتفوق بعضهم على بعض بما يستتبع تميز المتفوقين في كل شي، فهما إذا نظامان مختلفان كلياً في هذا الجانب، فضلاً عن اختلافهما حول مفهوم العدالة الذي يفترض به ان يكون تجسيداً لخصائص كل منهما. فإذا ما نالت أي من هاتين الطبقتين نصيباً من السلطة ومسؤوليات الحكم، لايتناسب مع أدوارها الاجتماعية الاقتصادية ولا مع معتقداتها الفكرية، عندها تبدأ عوامل الثورة بالتحرك، فعدم التوازن أو غياب الانسجام بين القدرات والادوار والعقائد هو سبب الثورة في أي دولة ونظام حكم، واعتراف أي مذهب أو نظام سياسي بحقوق الافراد والطبقات، وإعلانه المساواة بينهم نظرياً، من دون تطبيق ذلك عملياً ، يتسبب في حدوث اللامساواة في النظم الاوليغارشية الاكثر تعرضاً للثورات من النظم الديمقراطية، لان احتمالات حدوث الصراع بين الاغنياء اكبر من احتمالات حدوثه بين الفقراء.
ولم تستند فكرة المساواة بين الناس عند ارسطو الى نظرية الحقوق الطبيعية، بل استندت الى نظريته عن دور الاوضاع الاقتصادية والسياسية للأفراد والطبقات في حدوث الثورات في حال عدم استقرار تلك الاوضاع واختلاف توازناتها، فعدم المساواة عنده نتيجة طبيعية لعدم التوازن بين الادوار السياسية والاجتماعية من جهة، والادوار الاقتصادية من جهة ثانية، فهناك مراكز وأدوار سياسية ، وذلك في تقدير أرسطو هو السبب في عدم المساواة في عصره وهو علة حدوث الثورات التي ترمي الى تصحيح حالة عدم المساواة وغياب التوازن تلك، وبذلك تتسع حدود الفرضية الارسطية الاولى عن الثورة لتصبح :-
إن الثورة تكون احتمالا عندما تنفصل المراكز والادوار السياسية عن القدرات والادوار الاقتصادية، ويفقد النظام السياسي في الدولة قدرته على تحقيق التوافق والانسجام بينهما، فيفقد معها عدالته وتوازنه واستقراره، ولن يكون بلوغ التوافق والانسجام ممكنا إلا بوجود طبقة وسطى كبيرة عدداً وقدرة ودوراً. وقد أثبتت الكثير من الوقائع في عصر أرسطو والعصور اللاحقة صحة هذه الفرضية، إلا أن ملاحظة أرسطو لها لم تساعده على تحديد درجات الفصل بين هذه العناصر أو درجات اندماجها وتوازنها، بما يمكن أن يتسبب في حدوث الثورات أو يمنع حدوثها. ويقرر أرسطو في إطار بحثه عن عوامل وقوع الثورات ووسائل الحيلولة دون وقوعها، إن المعرفة بأسباب سقوط الدساتير وعلل انهيارها تعني المعرفة بأسباب وجودها وعلل استمرارها ودوامها، وهو يحدد تلك الأسباب والعلل في:
-
تربية الناشئة على احترام القانون وأفكار النظام السياسي وعقائده.
-
تحقيق العدالة في القانون والإدارة لضمان المساواة وبلوغ الاستقرار.
-
توزيع الثروة بشكل متوازن، وتخصيص احتياط كافٍ ودائم للدولة.
-
تصرّف الحكام العادل والسليم إزاء بعضهم وإزاء المواطنين.
-
تحديد المدة الزمنية لتولي الوظائف الرئاسية وعدم جعلها مفتوحة دون قيود.
