من المُتحَكّم بمصير العالم : اللُّوبي الصهيوني أم الإمبريالية؟
الطاهر المعز
يُروّج بعض العرب وغير العرب إن اللّوبي الصهيوني يتحكم بالسياسة الأمريكية، وإن اللوبي الصهيوني ( أو اليهودي) يضغط على الإمبريالية الإمبريالية الأمريكية لكي تدعم العدوان والإحتلال والمجازر، لكن العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هي علاقة عضوية، والسلاح الصهيوني هو سلاح أمريكي، فضلا عن الدّعم الإيديولوجي والسياسي والإعلامي للمشروع الإستعماري التّوّسُّعي الصُّهْيُوني الذي يُعَدُّ جزءًا من المشروع الإمبريالي الأمريكي في الوطن العربي، سواء كان الرئيس وأغلبية أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري أو الدّيمقراطي، وتدعم الولايات والإتحاد الأوروبي الكيان الصهيوني لأن وجوده وعدوانيته وغطرسته تخدم مصالح الإمبريالية التي هي الأصل، أما الصهيونية فهي فَرْع، فقد مَهَّدّ الإستعمار البريطاني الطّريق لتأسيس الدّولة الصهيوني على أرض فلسطين التي كانت تحت الإستعمار البريطاني الذي دَرّبَ وسَلَّحَ الميليشيات الصهيونية التي شكّلت نواة الجيش الصهيوني، فكانت النّكبة والمجازر وتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، ومنذ عدوان 1967 أصبح الكيان الصهيوني قلعة مُتقدّمة للإمبريالية الأمريكية التي ضمنت – بدعم من نواب الكونغرس – التفوّق النّوْعي العسكري والتكنولوجي واللوجستي والاستراتيجي للكيان الصهيوني على الأنظمة العربية مجتمعة، وتنبع أهمية الكيان الصهيوني من البنية الإستيطانية الإستعمارية والعسكرية الخاصة للدولة والمجتمع المتكون من المستوطنين اليهود الصهاينة الذين استولوا على أرض الشعب الفلسطيني، تماما كما استولى المستوطنون الأوروبيون على أراضي الشعوب الأصلية في أمريكا وأبادوا أصحابها الشرعيين، ولذلك يعتبر الكيان الصهيوني وجود الشعب الفلسطيني، وبقاء جزء منه على أرض أجداده، تهديدًا للمشروع الصهيوني الذي بَرّر الإحتلال بشعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ويشترك الطرفان الإمبريالي الأمريكي والصهيوني في ممارسة الإرهاب والقوة العسكرية والعدوان والتقتيل والتّدمير، ويعتمد الكيان الصهيوني على القوة العسكرية وعلى الدّعم السياسي والدّبلوماسي للإمبريالية الأمريكية والأوروبية، مقابل حماية مصالح الإمبريالية وشركاتها في الوطن العربي وما حوله، ويحق لنا أن نتساءل :
من يُقود الآخر ومن يُخطط ويُمَوّل ويُسلّح العدوان : اللُّوبي الصّهيوني أم الإمبريالية؟
تكمن الإجابة في تداخلهما ليكونا عدوًّا رئيسيا ( إضافة إلى الأنظمة العربية) للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، فقد تزامن ظهور المشروع الصهيوني الحديث مع توسع الرأسمالية وتحولها إلى امبريالية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وظهرت الصهيونية في أوروبا الغربية الإستعمارية، في زمن تعدّد مظاهر معاداة السامية في أوروبا، وبدل النضال ضد النظام الرأسمالي الذي يستغل ويضطهد الكادحين والشعوب، وبدل رفع شعار مُساواة كل المواطنين، طالب مؤسسو الصهيونية من حكومات الأنظمة الإمبريالية ( روسيا وبريطانيا وفرنسا بشكل خاص) خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر بمساعدتهم على تأسيس دولة يهودية ( أو دولة اليهود) تخدم مصالح الإمبريالية وإقامة “جدار حديدي يَفْصل بين الحضارة ( الأوروبية) والهمَجيّة ( الشّرقية)”، وبعد حوالي ثلاثة عُقُود أطلقت الإمبراطورية البريطانية ( أعْتَى قُوّة امبريالية آنذاك)، وعْد بلفور الذي وَعد وعمل على مَنْح ما لا يَمْلك لمن لا يَسْتَحق، واستمَرّت الإمبرياليتان الفرنسية والبريطانية في تقديم الدّعْم الرّئيسي للحركة الصهيونية ثم للكيان الصهيوني، حتى العدوان على مصر سنة 1956، قبل أن تُصبح الإمبريالية الأمريكية الدّاعم الرئيسي للإحتلال، ولذلك تأسس أكبر لوبي صهيوني في الولايات المتحدة تحت إسم “لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية – أيباك ” خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، حينما كان الكيان الصهيوني يحظى بدعم السلطات التشريعية والتنفيذية الأمريكية، لأن الكيان الصهيوني يمنع ( بفعل السلاح والدعم السياسي الأمريكي) توحيد الوطن العربي، ويُؤبّد استمرار الهيمنة الأمريكية على المحروقات وعلى الممرات المائية في المنطقة، وفق صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” وينصَبُّ تركيز المنظمات الصهيونية توسيع دعم الكيان الصهيوني إلى الفئات الشعبية، وعلى تمويل الحملات الإنتخابية لأكبر المُؤيّدين للمشروع التّوَسُّعي الصهيوني، والتّشهير بمن يتجرّأ على نقد أحد جوانب السياسة الصهيونية، وتُبيّن المساعدات العسكرية الأمريكية المُعْلَنَة ( 3,8 مليارات دولارا سنويا ) أهمية المكانة التي يحظى بها الكيان الصهيوني في السياسة الخارجية الأمريكية، فضلا عن عقود البحث والإبتكار وعقود التسليح بمنظومات الأسلحة الجديدة، فيما يُروّج الإعلام المملوك للشركات العابرة للقارات لكذبة “إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ولما توسعت رقعة الإحتجاجات ضد حروب العدوانية الصهيونية وإبادة الشعب الفلسطيني، لجأت الدول الإمبريالية الأوروبية والأمريكية إلى إقرار قوانين تعتبر معارضة بعض الممارسات الصهيونية بمثابة “معاداة السامية”، واتهام العرب والمسلمين بمعادة اليهود وليس بمناهضة الصهيونية كإيديولوجا رجعية واستعمارية، ليس لأن اللوبي الصهيوني يُمْلي هذه القرارات على حكومات الدُّوَل الإمبريالية، بل لأن الصهيونية تخدم مصالح الإمبريالية، ومن الضروري تحميل حكومات دول الإتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة مسؤولية قمع حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وليس “اللوبي الصهيوني” غير المُحدّد بدقة “يُهيمن على القرار الأمريكي وعلى توجهات السياسة الخارجية الأمريكية”، وبذلك يتم الخَلْط بين معاداة الصهيونية والعنصرية ومناهضة الإمبريالية والتضامن مع شعب فلسطين، من جهة، ومعاداة السامية من جهة أخرى، وتعمدت حكومات الدُّوَل الإمبريالية ملاحقة واعتقال ومحاكمة المناهضين للصهيونية والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت سَطَع نَجْم اليمين المتطرف في الدّول الرأسمالية المتقدمة، ويُرَوّج اليمين المتطرف وكذلك الحركة الصهيونية وبعض اليمين المَوْصُوف ب”المُعْتَدل” نظرية مؤامرة “الاستبدال العظيم” أي “اجتياح العرب والمُسلمين والسُّود المُجتمعات الغربية ليُصبح البيض أقلية في بلادهم، وتُصبح الحضارة الغربية البيضاء مُهَدَّدَة بالإضْمحلال…”، ويعتبر اليمين المتطرف والصهاينة إنه يجب استخدام العُنْف لهزيمة “الغزاة المهاجرين والمسلمين والسُّود واليساريين والمناهضين للفاشية والمُدافعين عن سلامة البيئة الذين يبذلون جهدًا كبيرًا لتدمير أوروبا ولإفناء السكان البيض في أوروبا وأمريكا…”
مكانة الكيان الصهيوني في المنظومة الإمبريالية
تميزت عملية السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 بخَرْق وتحدّي الأحزمة الأمنية الصهيونية (الجيش وأسلحته المتطورة والإستخبارات والتكنولوجيا الأمريكية…) وكان رد الفعل الوحشي مدعومًا من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية التي أرسلت بوارج حربية وأقمار تجسس وطائرات آلية وغيرها من الأسلحة الفتاكة التي استُخْدمَت لتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة وفي الضفّة الغربية، فيما قمَعت حكومات الدّول الإمبريالية ( وكذلك حكومات الدّوَل العربية) الإحتجاجات السّلْميّة ضد ممارسات الكيان الصهيوني، لأن للكيان الصهيوني دَوْر وظيفي في الوطن العربي وما حوله، ومنذ أزمة 2007/2008 تعمل الإمبريالية الأميركية على ترسيخ نفوذها وهيمنتها التي تُهدّدها الصين، ويتمثل الدّوْر الوظيفي الصهيوني في هذه المرحلة في استعادة هيبة الإمبريالية من خلال إطلاق أو استمرار الحروب العدوانية واستخدام الأسلحة المتطورة ضد شعوب بلدان فقيرة أو متوسطة الدّخل، لا تمتلك أسلحة متطورة، أو الشعوب الواقعة تحت الإستعمار الإستيطاني، كما الشعب الفلسطيني الذي تحالفت ضده قوى عديدة، ومن ضمنها العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية والأوروبية وحلف شمال الأطلسي والأنظمة العربية، وقد يكون القمع الوحشي للمُحْتجّين والمُتضامنين مع الشعب الفلسطيني، أحد مؤشرات عودة الفاشية التي خَفَتَ صَوْتُها بعد الحرب العالمية الثانية، وعادت إلى الظُّهُور العَلَني بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وفَرْض النيوليبيرالية وقمع العمل النقابي والسياسي المناهض للرأسمالية أو حتى المناهض لأحد مظاهرها كالنيوليبيرالية، مما يؤكّد ضرورة المقاومة والثّوْرَة من أجل تحرير الأرض والإنسان، وتأسيس جبهة عالمية تدعم النضال ضد الأنظمة الرجعية والإمبريالية والكيان الصهيوني، رأس حربة الإمبريالية ووكيلها في المنطقة.
2026-10-08