تاريخ ممتدّ من الولاء للإمبرياليّة والصهيونيّة *
سعود قبيلات – الأردن
ثمَّة خطأً شائع في الفهم، يفيد بأنَّ «الإسلاميين» في تركيا، بقيادة أردوغان، وجدوا أنفسهم على رأس دولة عضو في حلف الأطلسيّ «الناتو»، وفي تحالف وثيق مع «إسرائيل»، وعلى عداء مقيم للشعوب العربيَّة وحقوقها وطموحاتها وأمانيها، مِنْ دون أنْ تكون لهم يدٌ في هذا. ولذلك، فإنَّهم اضطرّوا إلى مجاراة هذا الواقع المفروض عليهم، ومراعاته، إلى أنْ يتمكَّنوا من السيطرة على السلطة، وعندئذٍ، «يحلّها الحلّال».. كما يقول المثل.
وعادة ما يتمّ الإيحاء، بخبث، وبلا أدنى وازع مِنْ ضمير، بأنَّ تركيا العلمانيّة.. تركيا كمال أتاتورك، هي التي اختارت الانحياز إلى الغرب والانضواء في حلف الأطلسيّ، وبالنتيجة الحتميَّة، التحالف مع «إسرائيل».
فما هي الحقيقة؟ الحقيقة تكشفها وقائع التاريخ، فتقول:
-
إنَّ أوَّل حاكم «إسلاميّ» لتركيا، في العهد الجمهوريّ، هو عدنان مندريس الذي حكمها خلال الفترة الواقعة ما بين العامين 1950 و1960.
-
إنَّ تركيا قد دخلت حلف الأطلسيّ في العام 1954، أي في عهد رئيس الوزراء «الإسلاميّ» عدنان مندريس (الذي يتغنَّى به «الإسلاميّون» حتَّى الآن).
-
في عهد مندريس، أصبحت علاقات تركيا مع الولايات المتّحدة أقوى بكثير ممّا كانت عليه في السابق؛ إلى حدّ أنَّه أرسل قوّاتٍ تركيّةً إلى كوريا للقتال إلى جانب الولايات المتّحدة في حربها العدوانيّة الشهيرة على الشعب الكوريّ. حيث في تشرين أوَّل (أكتوبر) من العام 1950، وصل إلى كوريا لواء تركيّ مكوَّن مِنْ خمسة آلاف جنديّ. وبعد أن ساهم هذا اللواء في تدعيم قوى العدوان، أنعم عليه قائد قوّات الولايات المتّحدة وحلفائها، الجنرال دوغلاس ماك آرثر بلقب «اللواء التركيّ بطل الأبطال». كما منحه الرئيس الأميركيّ، آنذاك، هاري ترومان وسام Presidential Unit Citation. وقد مُنح اللواء التركيّ هذا الوسام مكافأةً له على الجهود التي بذلها مِنْ أجل إنقاذ الفرقة الثانية الأميركيّة من الإبادة الكاملة، فخسر في تلك المعركة حوالي 717 مِنْ جنوده. وشيئاً فشيئاً، ازداد تورّط تركيا مندريس في الحرب الإمبرياليَّة على كوريا إلى أنْ أصبح عدد جنودها هناك خمسة عشر ألف جنديّ.
-
خاضت تركيا، في ذلك العهد نفسه، حرباً شعواء ضدّ المدّ اليساريّ (والقوميّ) العربيّ، وخصوصاً ضدّ الرئيس عبد الناصر، كما أنَّها حشدتْ قوّاتها على حدود سورية وهدَّدت بالعدوان عليها.
-
في ما يتعلَّق بالسياسة الاقتصاديّة، ألغى مندريس النهج الدولتي (المنحاز للقطاع العامّ) الذي كان يتبنّاه أتاتورك وتياَّره، واتَّبع نهجاً ليبراليّاً منحازاً للقطاع الخاصّ ولأثرياء «البزنس» ولكبار المُلّاك العقاريين على حساب العمّال وفقراء الفلّاحين. الأمر الذي أوقع بالاقتصاد التركيّ أبلغ الأضرار، حيث خلت الخزينة من النقد الأجنبيّ، وارتفعت الأسعار بشكلٍ كبيرٍ جدّاً، وتراكمت الديون على الدولة إلى حدّ أنَّها عجزتْ عن سدادها.
-
وكما هو معروف، فإنَّ الآثار القاسية التي تتركها السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة على حياة الناس تؤدّي بالضرورة إلى لجوء السلطات إلى التضييق على حُرّياتهم. وهذا ما جرى مع عدنان مندريس، وقاد في النهاية إلى سقوطه بشكلٍ مدوٍّ.
-
في العام 1954، وقَّعتْ تركيا مندريس مع الولايات المتَّحدة الأميركيّة اتفاقيّةً تتيح للقوّات الجويَّة الأميركيَّة استخدام قاعدة أنجرليك التركيّة، ولا تزال هذه القاعدة قاعدةً أميركيّة حتَّى الآن. ومِنْ المهامّ الأساسيَّة غير الخافية لهذه القاعدة، حماية «إسرائيل».
-
في العام 1955، كانت تركيا مندريس الركن الأساسيّ في مؤامرة «حلف بغداد» الإمبرياليّ، سيّئ الصيت، الذي رعته الإمبرياليّة الأميركيَّة، والذي تصدَّت له الشعوب العربيَّة ومِنْ ضمنها (بل وفي طليعتها) – آنذاك – الشعب الأردنيّ.. إلى أنْ أسقطته.
-
منذ العام 1956، بدأ سلاح الجوّ الأميركيّ يستخدم قاعدة ديار بكر الجويّة التركيّة التي تُعرف باسم «القاعدة الجوية الثامنة». وقد ظلَّ الأميركيّون يستخدمونها، منذ ذاك وحتَّى العام 1997، حيث قرَّروا مغادرتها في إطار خطَّة خاصَّة بهم لتخفيض عدد قواعدهم العسكريّة.
-
في العام 1958، وقع عدنان مندريس مع ديفيد بنغوريون، رئيس الوزراء الأسبق للكيان الصهيونيّ، اتفاقية تعاون ضدّ ما أسمياه «التطرف ونفوذ الاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط». والمقصود، طبعاً، هو مصر الناصريَّة وسورية والعراق. ومنذ ذاك، ارتبطت تركيا وإسرائيل بعلاقات اقتصادية وعسكريّة تحالفيّة راسخة.