بيوت من عجلات……!
محمد فارس.
توقفنا ونحن نهبط شارع القدس اريحا باتجاه الغور بمحاذاة سيارة مدير تربية ضواحي القدس، ثم انطلقنا بسيارتنا خلف تلك السيارة لمسافة كيلو مترين، وانعطفتا يساراً في طريق ترابي….. خيام وبيوت شعر متناثرة على السفح الأجرد، أطفال حفاة لوحت جباههم شمس الغور اللاهبة، جو حارق من شهر آب اللهاب، حين هبطنا من السيارات وسط التجمع البدوي.
حيتنا صبية، ثم تقدمتنا وتبعها أطفال بألبسة بالية وعيون حادة، اختلط الغبار بالعرق على صفحات وجوههم السمر. بدا الأطفال فرحين وهم ينطنطون ويتهامسون. وصلنا الى ما قيل انه المدرسة، وبدأت الصبية “آذنة المدرسة” بفتح الأبواب.
قال مدير التربية والتعليم:
– أقيمت المدرسة قبل عام بدعم من “جمعية فالانتينو ديتيرا” الإيطالية، المدرسة مختلطة للصف الرابع الأساسي، تضم أربعة وخمسون طفلاً، وبها ست معلمات بما فيهن المديرة.
علق شاب:
– نحن نقطن منطقة “ج” حسب تصنيف اتفاق أوسلو. البناء هنا ممنوع. وجودنا في المكان مهدد دائماً، نحن نخوض صراع بقاء، ننجز اعمالنا خلسة في الليل. ليس لدينا ماء ولا كهرباء ولا عيادة صحية. نفتقر للكثير من احتياجات البشر الأساسية. يمنعنا جيش الاحتلال من اجراء أي تغيير على الواقع. كلما أقمنا بناء يهدموه. لا نستطيع بنا حتى مرحاض. انظروا المستعمرة بجوارنا: ملاعب ومسابح ومدارس، أما نحن فمحرومون من ابسط الاحتياجات الإنسانية. لكن للأرض هنا ذاكرة تشحننا بقوة الصمود والمقاومة، بيننا وبينها ألفة لا يحس بها المستعمرون، لكل تلة ووادي وحيوان اسم توارثناه عن اجدادنا. لكل نبتة وزهرة وشوكة اسم، نحن نعرف الأرض وما عليها.
قالت الصبية:
– تحايلنا، جمعنا اطارات سيارات تالفة، وضعناها فوق بعضها بعضاً وصببناها بالأسمنت وطيناها. أقمنا بناء وسقفناه بألواح الزينكو. بنينا مدرسة من اربع غرف صفية وخامسة للمعلمات. كل شيء هنا مصنوع من الإطارات بما في ذلك المغسلة. نحن ممتنون للجمعية الإيطالية التي ساعدتنا في البناء، وعزل الأسقف اتقاء لحرارة الشمس اللاهبة، وتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. منذ مدة حاولنا تسوية الأرض أمام المدرسة، فسحبت قوات الاحتلال الآلية، وفرضت على صاحبها غرامة مقدارها عشرون الف شيقل. تقدم الرجل للسلطة الفلسطينية بكتاب تعويض، وحتى الان لم يصله رد. قبل ان نبني المدرسة كان يدرس الأطفال في مدينة اريحا وبلدة العيزرية. كثيرون كانوا يتركون الدراسة بعد الصف السادس، ففي ذهابهم الى المدارس خطر على حياتهم، فالطريق سريع وليس عليه مواقف، ناهيك عن ان الأمر مكلف بالنسبة لاسر فقيرة مثلنا.
قال مدير التربية:
-ستواجهنا مشكلة في العام القادم! كيف سنضيف صفاً للخامس الأساسي؟
انتهت الزيارة……
مع تحيات ابو علاء منصور
القصة مأخوذة من كتابي (حراس الأرض)، وهي توثيق لزيارة شاركت فيها عدد من الأصدقاء لاحد مضارب البدو في منطقة الخان الأحمر.
2020-05-06