#جيوسياسية/ بين الواقع والتخدير الإعلامي: أوروبا خسرت الحرب ضد روسيا؛ ….
وأوكرانيا في طريقها -ليس للهزيمة- لكن للاستسلام!
إدريس آيات
في تصريح أقلّ ما يُقال عنه إنه هذيان سياسي، خرج الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي على القنوات الإعلامية العالمية ليتحدث عن اجتماعه في الرياض مع ولي العهد السعودي، مُدّعيًا أن هذا اللقاء قد حطم خطط روسيا لتصعيد الحرب. وأضاف، بشيء من العناد غير المدعوم بالواقع، أن أوكرانيا مستعدة للهدنة لكنها لن تتنازل عن أي شبر من أراضيها، داعيًا موسكو إلى الرد على هذا العرض.
لكن، بعيدًا عن خطابات زيلنسكي وتصريحاته التي تعكس عزلة فكرية داخل كييف، الحقيقة على الأرض مختلفة تمامًا. الجميع، من العواصم الغربية إلى المحللين العسكريين، يدرك أن أوكرانيا لن تستعيد القرم ولا دونباس، وهذا أصبح أمرًا مفروغًا منه. ما لم يدركه حتى زيلنسكي نفسه هو أن روسيا قد لا تكتفي بما استحوذت عليه، بل قد تتجه أيضًا نحو أوديسا، وهذا احتمال واقعي يستند إلى معطيات ميدانية واستراتيجية، لكن سنرجع إلى ذلك لاحقًا.
وفي أوروبا ماكرون، الذي كان من أوائل المتحمسين لتصعيد المواجهة مع روسيا في بدايات الحرب عام 2022، ذهب إلى التصريح بأن هزيمة موسكو محققة، ولكن لا يجب إذلالها. تصريحات مثل هذه جعلتني أتساءل: هل مستشارو الإليزيه يجرون تحليلات استراتيجية أم أن لديهم ولعًا بالهلوسة الجماعية؟ كيف يمكن لأحد أن يظن أن روسيا، بقوة مواردها وقدرتها العسكرية، ستُهزم أمام أوكرانيا و27 دولة أوروبية تدعمها لم تخض حربًا حقيقية منذ الحرب العالمية الثانية؟
لكن هناك حقيقة بدأت تتكشف حتى أمام أكثر الدول الغربية عنادًا: لم يعد الأمر يتعلق بهزيمة أوكرانيا، بل باستسلامها. فالسيناريو الذي يقترب الآن ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل إقرار قانوني بالاستسلام وفقًا للمعايير الدولية، وهو أمر تحكمه قواعد معترف بها في القانون الدولي، تهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية بترتيب يضمن السلام وفق شروط المنتصر.
▪️كيف تُحدد الهزيمة والاستسلام في الحروب؟
في كل حرب، يُحدد كل طرف أهدافه المعلنة. وعندما يصل الصراع إلى نقطة يصبح فيها أحد الأطراف عاجزًا عن تحقيق تلك الأهداف، دون أن يمتلك القدرة العسكرية والاقتصادية لمواصلة القتال، فإنه يُعتبر خاسرًا. في تلك اللحظة، يصبح الاستسلام مسألة وقت، وليس خيارًا.
منذ اليوم الأول للصراع الأوكراني، بدا واضحًا أن كييف تلقت أسوأ نصائح عسكرية وسياسية ممكنة من حلفائها الغربيين، الذين دفعوها إلى معركة لم يحددوا لها هدفًا واضحًا سوى عبارة مطاطة: “منع روسيا من الفوز”. لم يكن لدى واشنطن ولا بروكسل أي استراتيجية حقيقية لمواجهة موسكو، ولم تكن هناك خريطة طريق لنصر أوكراني، بل كان الأمر أشبه برهان على استنزاف روسيا، دون تقدير حجم قوة موسكو العسكرية والاقتصادية وقدرتها على الصمود.
على النقيض من الغموض الغربي، أعلنت كييف بشكل متسرع أن هدفها الحربي هو استعادة جميع الأراضي التي فقدتها منذ 2014، بما في ذلك القرم. هذا الإعلان لم يكن مجرد خطأ استراتيجي، بل كان بمثابة كمين نصبتْه أوكرانيا لنفسها، إذ أن إعلان هدف واضح وصعب التحقيق جعلها تُقيّد نفسها بمسار لا يمكن تغييره دون اعتراف بالهزيمة.
المفارقة أن روسيا نفسها لم تقع في هذا الفخ على رغم أنّها من شنت الهجوم. لم تعلن موسكو مطلقًا عن نواياها الحقيقية، مكتفية بشعارات عامة مثل نزع سلاح أوكرانيا النازية؛ ومنعها من الانضمام إلى الناتو، وحماية الناطقين بالروسية من الدونباس، مما منحها حرية المناورة وإعادة تعريف أهدافها مع تغير موازين القوى، بل رفضت أن تُعلنها حربًا شاملةً حتى، وأصرّت على تسميتها ب “عملية خاصة”.
لذلك؛ جعل الغموض الروسي في تحديد أهداف الحرب الجميع في حالة تخمين مستمرة، لكنه في ذات الوقت يمنح الكرملين هامشًا واسعًا للمناورة، بحيث تستطيع موسكو تعديل مطالبها وفق الظروف الميدانية، وتكييف موقفها بما يحقق لها أكبر قدر ممكن من المكاسب.
▪️الأخطاء الغربية: دعم عبثي أدى إلى تسريع السقوط!
؛ ما لم تدركه كييف هو أن حلفاءها أنفسهم يدفعونها ببطء إلى الاستسلام بنصائح كثيرة وغير مدروسة. نعلم جميعًا أن اليوم، لا توجد سفن روسية في البحر الأسود، لكن هذا ليس انتصارًا أوكرانيًا كما تحاول الدعاية الغربية الترويج له، بل مناورة روسية مدروسة نصبت فخًا استراتيجياً وقع فيه الأوكرانيون دون وعي. فالهجمات التي شنتها كييف باستخدام طائرات مسيرة بحرية؛ محملة بالمتفجرات ضد السفن الروسية، خاصة تلك المتمركزة في سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم، لم تؤثر في مجريات الحرب كما كان متوقعًا، لكنها أعطت موسكو ذريعة جديدة في أي مفاوضات مقبلة. كيف؟.
الآن، حتى لو لم تقع مواجهة مباشرة بين الجيشين الروسي والأوكراني في أوديسا، التي انطلقت منها هذه الطائرات، فإن مصير المدينة محسوم تقريبًا. لماذا؟ لأن روسيا ستستخدم هذه الهجمات كسبب قانوني وأمني في اتفاقية الاستسلام، بحجة أن وجود أوكرانيا على البحر الأسود يُشكل تهديدًا دائمًا لسفنها. هنا، تبرز مفارقة جديدة: الغرب لم يُحسن تقدير عواقب قراراته، فبدلًا من تقوية الموقف الأوكراني، أتاح لروسيا مبررًا استراتيجيًا لمطالبة أوديسا أو فرض منطقة أمنية حولها.
فمنذ اندلاع الحرب، تبنى الغرب سياسة التدخل المحدود والمُوجه، من خلال إرسال أسلحة تكتيكية مثل صواريخ بعيدة المدى، لكن دون تقديم استراتيجية متكاملة لأوكرانيا. وبينما كانت أوكرانيا تظن أن قصف مستودعات الوقود الروسية أو مهاجمة جسر كيرتش سيجبر موسكو على التراجع، لم يكن الكرملين متأثرًا، بل استغل هذه الضربات في بروباغندا محلية ودولية لإظهار كييف كدولة تشن عمليات إرهابية لا حربية، مما عزز شرعية العملية العسكرية الروسية أمام الرأي العام العالمي.
▪️الاستنتاج: استسلام أوكرانيا مسألة وقت
حتى الآن، يتحدث الجميع عن هدنة، لكن من يعرف قواعد الحرب يدرك أن ما يُرتب له الآن ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل استسلام أوكراني مشروط. موسكو لن تقبل بعودة الوضع لما كان عليه قبل فبراير 2022، بل ستطالب بمكاسب جيوسياسية واضحة، ليس فقط في أوكرانيا، بل على مستوى الترتيبات الأمنية الأوروبية، حتمًا ستُعاند أوروبا، لكن أمريكا -الخصم الحقيقي لروسيا- لا تأبه طالما ضمنت صفقة رابحة في المعادن الأوكرانية.
إذا قررت روسيا مواصلة الهجوم العسكري، فلن يستطيع أحد إنقاذ أوكرانيا، لا واشنطن ولا بروكسل. الغرب يعلم ذلك، وأوكرانيا بدأت تدرك أن كل خطوة إضافية تخطوها في القتال تعني خسارة جديدة على الأرض. كل جندي روسي مجروح يقابله شبرٌ إضافي تسيطر عليه موسكو، وكل صاروخ أوكراني يُطلق نحو روسيا يمنح بوتين مبررًا إضافيًا للتقدم.
ترامب كان أكثر وضوحًا حين قال: “إذا واصلت أوكرانيا القتال، فلن يكون هناك شيء يدعى أوكرانيا في المستقبل”. وفي مقابلتهما الشهيرة بالبيت الأبيض قالها ترامب بوضوح ” أنت تقامر، تقامر بحياة شعبك”؛ ما يجري الآن ليس مجرد ترتيبات مفاوضات أوهدنة، بل عملية استسلام تدريجية، قد لا يُعلن عنها رسميًا، لكنها تتجسد في الميدان مع كل تقدم روسي جديد. بل حتى في المفاوضات الأخيرة في الرياض وبعد زيارة زيلنسكي للرياض، شُرح بطريقة لا لبس فيها، أنّ استعادة أقاليم الجنوب والشرق من روسيا خارج حدود النقاش، أصبحت أراضي روسية، وهذه نهاية النقاش.
▪️خاتمة: حينما يُخطئ الغرب الحسابات، يدفع أوكرانيا الثمن
أوكرانيا اليوم ليست أمام خيار الهزيمة أو الصمود، بل أمام معادلة الاستسلام وفق شروط موسكو أو مواصلة حرب استنزاف ستنتهي باستسلام أكثر إذلالًا. في كل الحالات، لا أحد في الغرب يتحدث عن نصر أوكراني بعد الآن، والجميع يدرك أن اللعبة انتهت، إلا زيلنسكي، الذي لا يزال يكرر رواية لن يُصدّقها حتى أنصاره بعد الآن.
▪️إلى أين تتجه الأمور؟
روسيا، التي كانت مستعدة منذ البداية لحرب طويلة، لم تكن تسعى فقط لهزيمة أوكرانيا، بل لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. والآن، مع تحولات المشهد السياسي في أوروبا وصعود الحركات اليمينية التي تعارض التصعيد مع روسيا، بدأ الدعم الغربي لكييف بالتآكل. وإذا كانت خسارة القرم ودونباس مؤكدة، فإن السيطرة على أوديسا تظل احتمالًا واردًا، لعدة أسباب:
1. استراتيجية موسكو للسيطرة على البحر الأسود: روسيا تدرك أن أوكرانيا بدون منفذ على البحر الأسود ستكون دولة محاصرة اقتصاديًا وعسكريًا. السيطرة على أوديسا تعني قطع آخر شريان بحري لكييف.
2. إضعاف الاقتصاد الأوكراني بالكامل: بمجرد فقدان أوديسا، ستصبح أوكرانيا دولة غير ساحلية، وستكون تحت رحمة روسيا في كل عمليات التصدير والاستيراد عبر الموانئ البديلة في رومانيا أو بولندا، مما يزيد من تكلفة عملياتها التجارية ويؤدي إلى انهيارها اقتصاديًا.
3. الضغط على الغرب لقبول تسوية بشروط موسكو: إذا سيطرت روسيا على أوديسا، فإن أي مفاوضات مستقبلية ستكون لصالحها بالكامل، مما سيجبر أوروبا على التعامل مع الأمر الواقع وقبول ترتيبات جيوسياسية جديدة.
لذلك في تقديري، الاستسلام هو النتيجة الحتمية: أوكرانيا ليست أمام معضلة النصر أو الهزيمة، بل أمام معادلة الاستسلام بشروط، أو استمرار الحرب حتى تنهار بالكامل، ربما لو فازت كامالا هاريس أو استمرّ بايدن لكان الوضع مختلفًا، لكن ترامب يجرّ أوكرانيا إلى الاستسلام. تصريحات زيلنسكي عن الهدنة، مهما بدت متماسكة أمام الكاميرات، ليست سوى جزء من اللعبة السياسية التي تهدف إلى تأخير ما أصبح واضحًا للجميع: أوكرانيا ستقبل بشروط روسيا عاجلًا أم آجلًا، اليوم أو بعد 3 سنوات، والغرب بدأ يهيئ الأرضية لذلك، حتى لو لم يعترف بذلك علنًا بعد.
2025-03-14
