بومبيو في بيروت
يحيا حرب
الزيارة انتهت!!
مرة اخرى تبدو السياسة الاميركية غير واقعية وتسلطية..
بومبيو يحمل الى لبنان اربع ملفات: حصار حزب الله وخنقه ماليا – وقف خطط اصلاح النظام ومحاربة الفساد – تخلي لبنان عن جزء من حقوقه البحرية بما تحوية من ثروة غازية للكيان الصهيوني – التنازل عن عودة النازحين السوريين وعدم المشاركة في اعمار سوريا وفتح الحدود معها.
اي فتنة داخلية وتمديد عمر الدولة المشلولة وتدمير التوازن الاجتماعي والانتحار الاقتصادي..
وببساطة فإن ايا من هذه الملفات، وكلها مجتمعة لا تستطيع استقطاب تحالف داخلي ضد حزب الله وعزله، بل على العكس هي توحد اللبنانيين ضد المشروع الاميركي، وتحرضهم على رفضه ومقاومته، وتفرض على القوى اللبنانية الاصطفاف خلف حزب الله، باعتباره ورقة القوة الوحيدة التي يملكها لبنان في مواجهة التعنت الاميركي والعدوانية الاسرائيلية.
فعلى صعيد رئاسة الجمهورية فإنه لم يبق امام الرئيس عون الذي خاض اقسى المعارك طيلة ثلاثة عقود من الزمن من اجل الوصول الى سدة الرئاسة، لم يبق له الا ان يحقق برنامجه الاصلاحي والوطني لكي يختم به حياته السياسية، ويورث التيار البرتقالي ميراثا من المصداقية السياسية، والانجاز التاريخي.
اذ ان محاربة الفساد، واعادة المكانة للرئاسة الاولى، والتوازن السياسي الذي يستعيد به المسيحيون الثقة بأنفسهم وبوطنهم، هي فعلا خطوات ترقى الى مستوى الانجاز التاريخي.. والرئيس عون يعلم ان وصوله للرئاسة كان ثمرة تعاونه الوثيق مع حزب الله الذي قهر الارادة السعودية والاسرائيلية والاميركية، بعد معركة دامت اكثر من سنتين، وهو يعلم ايضا بالتجربة وبالوقائع المتجمعة لديه ان اخطبوط الفساد والتغول على صلاحيات الرئيس الماروني يعمل تحت المظلة الاميركية السعودية.. وانه لا يستطيع تحقيق اي تقدم الا بالتعاون مع حزب الله والاستفادة من فائض القوة المعنوية والسياسية التي يتمتع بها، للجم مجموعات الرابع عشر من اذار، او ما تبقى منها، والتي شكلت منذ اتفاق الطائف شبكة من مراكز النفوذ واصحاب المصالح، وهيمنت على الاقتصاد والادارة اللبنانية، بدعم من الخارج.
فعندما تبنى حزب الله استراتيجية محاربة الفساد الداخلي تحركت الملفات، ووجدت القوى الرجعية نفسها في زاوية لا تملك القدرة للدفاع عن حيتانها ومراكز القوة التي انشأتها.
وعندما امسك حزب الله بواحدة من الوزارات الخدمية الاساسية، تنفس اللبنانيون الصعداء، وشعروا بالفارق الكبير، واحسوا بالامان على صحتهم.. بل فرض وهج الحركة في وزارة الصحة تحريك عجلة الخدمات، بنسب مختلفة، في جميع القطاعات الخدمية، وخصوصا في مجال الكهرباء والمؤسسات الادارية.
واللبنانيون جميعا يدركون باليقين ان التعاون الامني، والتوافق والانسجام بين المقاومة والجيش اللبناني والاجهزة الامنية الاخرى، هو حزام الامان لهم في منطقة تتعرض لاخطر الزلازل الامنية، وتعيش باستمرار تحت وطأة التهديد الاسرائيلي.. وهو ما حماهم من الارهاب المتربص على مشارف حدودهم وفي بؤر مبثوثة في قلب مدنهم وعاصمتهم.
فكيف يمكن للبنانيين، ولرئيس الجمهورية خصوصا، ان يتخلوا عن كل هذه المكاسب والامال، وان ينجروا للصراع الداخلي بحسب الدعوة الاميركية.
ان القبول بما يدعو اليه بومبيو يحتاج الى اكثر من العمالة، واكثر من المقامرة والمراهنة على السراب.. انه يحتاج الى النفس الانتحاري.. الى داعش سياسي يوازي دواعش التكفير والارهاب، وليس اقل من ذلك.
والغريب ان بومبيو القادم الى العمل الديبلوماسي من دهاليز المخابرات والاجهزة السرية والانشطة الذكية، يتصرف في وزارة الخارجية في هذه الادارة الاميركية، كما لو انه احد زعماء او امراء ممالك الفساد والانظمة اللاعقلانية المتخلفة.. بحيث بتنا لا نصدق: أهذا هو وزير الخارجية الاميركي؟!
صحيح ان الكثيرين كانوا يعتقدون ان مغامرات حكام السعودية وقطر والامارات وبعض القوى السياسية الاسلامية، كانت بإيحاء من الاجهزة الاميركية المعنية، لكن المفاجئ ان يمارس المعلم الاميركي طيش وحمق سياسات تلاميذه، المصممة لابتزازهم وتوريطهم، فاذا به يبتز قوة بلده ومكانتها الدولية.
فوزير الخارجية الاميركي يأتي ليقنع المسؤولين اللبنانيين بمحاربة حزب الله، وحصاره ماليا واقتصاديا واجتماعيا، قبل البدء ربما بالضغط الامني والعسكري عليه..
طلبات لا مكان لها في حسابات العقلاء والناضجين، ناهيك بأصحاب السياسات الواقعية والبراغماتية..
فحزب الله ليس عصابة من المسلحين، كما يتحدث اعلام نتيناهو الغبي.. بل هو امتداد شعبي حقيقي لما يزيد عن ثلث اللبنانيين.. وهو الحزب الوحيد في لبنان العابر للطوائف والمناطق، من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب، اذا ما استثنينا الاحزاب العلمانية القليلة الباقية في لبنان، والتي لا تقاس قوتها واحجامها بقوته وحجمه.
وفي الانتخابات الاخيرة نال مرشحو حزب الله اكثر من 343 الف صوت تفضيلي ما يجعله الحزب الاكبر في لبنان، وان اعلى الاصوات نالها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد.. والحزب يتمثل بكتلة نيابية وازنة وفاعلة في البرلمان، وتمثيل مماثل ومشابه في مجلس الوزراء، بحيث يستحيل تمرير اي قرار في المؤسستين التشريعية والتنفيذية دون موافقته. كما انه موجود على مستوى الادارة والوظيفة العامة عبر منتسبيه او مؤيديه في مختلف المستويات الوظيفية.
فكيف يمكن ان تحاصر ماليا او تسطو على حسابات بنكية لنواب ووزراء وموظفين حكوميين؟!
بل اكثر من ذلك فإن ما لا يعلمه بومبيو ربما، جهلا او تضليلا من الاجهزة التي تملي سياساته، ان حزب الله شريك في مئات البلديات، او يرأسها، على امتداد الاراضي اللبنانية، بما فيها ضاحية العاصمة بيروت!! ويدير مئات المدارس والمستشفيات ومؤسسات الرعاية والاسعاف والدفاع المدني والنقابات والحركات الكشفية والنوادي الرياضية والمصانع والمعامل والمزارع!!
فكيف يمكن محاصرة هذا كله ماليا واقتصاديا بحسب ما يدعو بومبيو لارضاء نتنياهو؟!
عمليا وواقعيا هذا غير ممكن ولا يفكر فيه عاقل، لانه يعني تدمير المؤسسات اللبنانية كافة! بل كيف يتوقع بومبيو ان يقف حزب متفرجا وهو يرى هذا العدوان وحرب الابادة والاستئصال التي يشنها عليه الكاوبوي الاميركي؟!
لا شك ان الحرب العسكرية أهون من ذلك بمرات عديدة، وهي باتت مستبعدة من اذهان الجنرالات الصهاينة، الذين لا مهنة لهم الا الحروب والعدوان والدمار.. لقد باتوا حذرين جدا من التحرش بحزب الله، خوفا من الثمن الهائل الذي سيتكبدونه، والذي تحول الى تهديد وجودي، بحسب تقارير مراكز دراساتهم العسكرية.
فكيف يأتي بومبيو بكل سذاجه ليطلب من اللبنانيين ان يفعلوا ذلك بأنفسهم..
فعلا ان الامر يحتاج الى اكثر من عملاء ليستمعوا الى الوزير الاميركي المتعجرف!!
هذا في الملف الاول الذي يتركز حول محاصرة حزب الله ماليا واقتصاديا.. اما الحديث عن الملفات الاخرى فهو اكثر وضوحا، ويكشف عن غباء مفرط.. لانه يطلب من اللبنانيين ان يقبلوا بتوطين السوريين واستتباعا بذلك الفلسطينيين، وان يقدموا نصف الحقل 9 من الغاز البحري لعدوهم التاريخي والذي غزا عاصمتهم ودمر مناطق بكاملها عشر مرات في السبعين سنة الماضية، ويهدد سيادتهم واقتصادهم وامنهم في كل يوم، وان يتخلوا عن فرصة تاريخية لانقاذ اقتصادهم واعمار بلدهم والعودة الى مرحلة النهوض والازدهار..
وكل ذلك من اجل ماذا؟
لا شيء!!
مجرد رضا السيد الاميركي والصهيوني الذي يعدهم بمساعدات عسكرية تافهة، لا تصلح لأي عمل عسكري، او يمدد فترة استحقاق ديونهم بفوائد جنونية، لرهن مواردهم وتعب اجيالهم لعقود طويلة قادمة!! او اكثر من ذلك!!
الزيارة انتهت سيد بومبيو قبل ان وصولك الى بيروت.. ويمكنك ان تعود بخفي حنين من حيث اتيت، ويكفيك مكسبا ما سيقدمه لك نتنياهو في انتخابات رئيسك، لقاء ما قدمته له على ابواب انتخاباته..
اما المنطقة وقضاياها وشعوبها فلها مسار اخر، بدأته بقواها الحقيقية المقاومة وبالتعاون مع العالم.. العالم الناهض والحقيقي وليس المتوهم في عقولكم.. فأميركا لم تعد سيدة العالم ولا مالكة مفاتيح حركته.. هي مجرد قوة باطشة.. وحش متغطرس يعادي كل القيم ويسير بعكس مسار التاريخ.. بل العالم كله يشعر الان باستثناء حليفيك السعودي والصهيوني، انه لم يعد بحاجة اليكم، على كل صعيد.
كاتب واعلامي من لبنان
2019-03-22