بعد صدامات اربيل.. ما يحدث في العراق هو نتيجة الضخ الهائل للافكار العنصرية والطائفية غير المسؤولة!
د. سعد ناجي جواد.
شهدت مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق في ليلة راس السنة الجديدة احداثا مؤسفة تمثلت بقيام مجموعة من الشباب/المراهقين الاكراد بمهاجمة سيارات الزوار العراقيين العرب الذين حضروا، كما اعتادوا دائما، الى مناطق كردستان العراق اثناء الاعياد والاجازات. الافلام التسجيلية التي انتشرت صورت مراهقين يحملون الهراوات والسكاكين ويهاجمون السيارات القادمة من بغداد والمحافظات الاخرى، ويكسرون زجاجها ويسلبون راكبيها من ممتلكاتهم الشخصية. هناك من اكد ان هذه الاحداث المؤسفة كانت عابرة، وانها لم تحدث سوى في شارع رئيسي واحد، وان السلطات الامنية في الاقليم تدخلت والقت القبض على احد عشر شخصا قاموا بهذه الاعمال المنفلتة، وان في المقابل شهدت محافظة السليمانية الكردية اقبالا غير مسبوق من الزوار العراقيين بحيث ان الفنادق قد امتلات عن بكرة ابيها وان بعض الاهالي قاموا بفتح بيوتهم لاستقبال هذا العدد الهائل من الزوار، وهذا التصرف هو ما اعتاد العراقيون واكرادا وعربا ان يفعلوه عندما يزداد عدد الزوار الذين يزورون مدنهم في المناسبات المختلفة. ولكن احداث ليلة راس السنة في اربيل لابد وان تثير التساؤل لماذا تم ذلك؟ وماهي مسبباته؟
من خلال متابعة ما جرى يبدو ان الحدث كان عابرا وغير منظم او شامل، ولا يوجد ما يدلل ان جهة كردية، حزبية او سياسية، قد قامت بالتحريض المباشر على القيام بهذه الافعال المشينة، واساسا فانه ليس من مصلحة اقليم كردستان العراق حدوث مثل هذه الامور، لان عرب العراق وزياراتهم واستثماراتهم وشرائهم للاملاك في الاقليم يعتبر من اهم محفزات انتعاش السياحة وتجارة التسوق واسواق العقارات هناك. وان مثل هذه الحوادث تمثل ضربة موجعة لاقتصاد الاقليم. وهذا ما دفع رئيس حكومة اقليم كردستان العراق الى الاسراع باصدار بيان شديد اللهجة استنكر فيه هذه الاحداث ووعد بايقاع اقصى العقوبات على من قام بهذه الاعتداءات التي وصفها ب(المشينة والتي لا تمثل اخلاق وتقاليد المجتمع الكردي). ومن يعرف طيبة واخلاق الغالبية العظمى من شعبنا الكردي لا بد وان يتفق مع هذه الفقرة، ولكن ايضا لا بد من الاعتراف ان اطرافا كثيرة خارجية وداخلية عملت على افساد هذه الخصال الطيبة والحميدة وحرفها، وخاصة لدى الاجيال الجديدة، ومع الاسف فانها نجحت في بعض الاحيان. وما حدث موخرا دليل على ذلك.
ان هذه الاحداث ( والتي قيل ان بعض تردداتها قد انتقلت الى محافظة دهوك الكردية) يجب ان ينظر لها كجرس انذار مبكر لظاهرة خطيرة يجب وأدها في مهدها. كما يجب ان يعترف ولاة الامور انهم مسؤولون عن ما آلت اليه الامور في الاقليم، وان السبب الاساس يكمن في الضخ الاعلامي التحريضي للافكار العنصرية والشوفينية والذي لم يبدا منذ ايام او منذ اشهر، وانما كان مستمرا منذ ان ابتعد الاقليم عن المركز منذ عقود، وازداد هذا الضخ منذ ان وقع الاحتلال ووضع واقر دستورا يثير النعرات الطائفية الشوفينية العنصرية. (وساهم ويساهم في ذلك كتاب وصحفيين ومن يعتبرون انفسهم محللين عربا واكرادا عن قصد او لمصلحة شخصية او سذاجة). وهذا هو مكمن الخطر. بكلمة اخرى اكثر صراحة ان المحرض غير المباشر الاكبر على مثل هذه الافكار والاعمال (العنصرية والطائفية في كل العراق) يكمن بالاساس في الدستور البغيض وفي سياسات الاحزاب التي تحكم العراق (والسياسين الذين يمثلوها)منذ بداية الاحتلال لحد هذا اليوم. فمن يستمع الى تصريحات وتفسير المسؤولين الاكراد الكبار للازمة المالية التي تعصف باقليم كردستان ( وكل العراق) يصل الى نتيجة او يتولد لديه انطباع مفاده ان الحكومة المركزية هي من تصر (عن قصد وعمد) على حرمان ابناء الاقليم، وخاصة الموظفين منهم، من رواتبهم، وان عجز حكومة الاقليم عن دفع الرواتب سببه عدم تحويل الحكومة المركزية لرواتب موظفي الاقليم. وهذا ما يسمعه بسطاء القوم من الاكراد يوميا. الا ان عقلاء القوم يعرفون جيدا ان سبب المشكلة يكمن في الفساد المستشري الذي يعم الاقليم (والعراق بصورة عامة) منذ بداية الاحتلال ولحد الان، وان سبب ذلك هو السياسات الخاطئة التي انتهجتها كل الاحزاب بعد الاحتلال عربية كانت ام كردية. علما بان ما يصدره الاقليم من النفط كان يجب ان يكون كافيا لتغطية رواتب موظفيه، حتى وان امتنعت الحكومة المركزية عن دفع الحصة المتفق عليها من ميزانية العراق الى الاقليم، (الموظفون الاكراد الذين خرجوا في مظاهرات عارمة حرقوا فيها بعض مكاتب الاحزاب المتنفذة، طلبوا من الحكومة المركزية ان تكون هي من يدفع لهم رواتبهم بصورة مباشرة). من ناحيتها فان كل الحكومات المركزية تقول بانها استمرت بتحويل حصة الاقليم الى ان تمادت حكومة الاقليم في الامتناع عن دفع ما يتوجب عليها دفعه للخزينة المركزية كنسبة من الصادرات النفطية للاقليم لاكثر من سبع عشرة عاما، (طبعا هذه الحكومات لا تقول انها شجعت حكومة الاقليم على هذا النهج عندما كان رؤوساء وزراء يشترون دعم قادة الاقليم لهم باموال كان يجب ان تذهب للشعب الكردي وليس لقياداته). الامر المؤكد ان الفساد وسوء التخطيط جعل الاقليم، الذي يفترض ان تكون سياسته الاقتصادية وميزانيته جزءا من ميزانية العراق، ان يتحول الى كيان مدين لشركات النفط المستثمرة في الاقليم بمبلغ يصل الى ثلاثين مليار دولار. وهذه حالة غير مسبوقة يكون فيها جزءا من الدولة مدين بمبلغ ضخم كهذا. بكلمة اخرى ان استثمار النفط في الاقليم الذي كان يفترض ان يكون سببا لرخاء الاقليم انقلب بسبب الفساد وسوء التخطيط الى تراكم ديون هائلة لا يعرف ابناء الاقليم كيف تجمعت. (وهو نفس الحال الذي يعاني منه العراق ككل). وبدلا من الحديث عن اسباب هذه الازمة الاقتصادية لا يسمع المواطن الكردي العادي سوى تصريحات تقول ان الحكومة المركزية او بغداد هي المسؤولة فقط عن ما يحدث. اما ماهي مسوولية قادة الاقليم؟ واين تذهب موارد تصدير النفط وموارد المنافذ الحدودية الهائلة للاقليم؟ فكلها امور لا احد يجروء من ابناءه على مناقشتها.
من ناحية اخرى ان الحديث عن الضخ الهائل للافكار التي تساهم في تمزيق وحدة المجتمع العراقي وبشكل غير مسبوق، لا بد وان يدفع للتذكير بالضخ المماثل للافكار والممارسات الطائفية اليومية في عموم العراق من قبل جهات رسمية، او شبه رسمية، وبالاخص الاحزاب المشاركة في السلطة والفصائل المسلحة التابعة لها. وهذا الاسلوب شكل ويشكل خطرا اخر لا يقل تاثيره السلبي عن خطر بث الافكار الشوفينية والعنصرية. وهذه سياسة اتبعتها الاحزاب الدينية، وخاصة تلك التي تدعي انها تمثل المكون الاكبر، منذ بداية الاحتلال ولحد الان. (بالمناسبة فان هذه السياسات والممارسات هي ما دفع ابناء المحافظات الجنوبية والتي تضم غالبية ابناء هذا المكون للانتفاض اعتراضا وسخطا). وكان اثر هذه السياسات الطائفية الخاطئة اخطر على المناطق التي يعتبر غالبيتها من ابناء المكونات الاخرى، وخاصة في المحافظات الغربية، صلاح الدين والانبار ونينوى/ الموصل. والاخيرة بالذات هي اكثر من عانى وتعاني من هيمنة الاحزاب السياسية وفصائلها المسلحة، ومن تعاون معها من بعض من يدعون انهم من ابناءها، لكي يغتنوا، من الفساد الذي ينتج عن هذا التعاون المضر بمصلحة المحافظة وابنائها. وبدلا من ان تحظى هذه المحافظات بعناية استثنائية نتيجة تضررها من احتلال تنظيم داعش الارهابي، وما اصاب بنيتها التحتية من تدمير هائل لحق بها نتيجة العمليات العسكرية لتحريرها، نجد ان هناك من يحاول ان بطمس هويتها ويسلبها مواردها ويصر على التعامل معها باساليب طائفية مستهجنة. ان هذه الاساليب اذا ما استمرت فانها ستزيد من تمزيق النسيج المجتمعي العراقي وتباعد ابناءه بعضهم عن بعض.
خلاصة القول ان السياسات الخاطئة والتحريضية والفساد المستشري، والتي تُغَلَف دائما بممارسات واحاديث وتصريحات طائفية وعنصرية شوفينية، هي ما اوصلت العراق الى هذا المنحدر الخطير. الامر المؤلم والذي يدعو الى القلق على مستقبل العراق، انه لايوجد في الافق ما يدلل على ان ولاة الامور الحاليين سيقومون بتصحيح نهجهم او ممارساتهم، وذلك لانهم يعلمون جيدا انهم بغير هذه الاساليب الخادعة سوف لن يتمكنوا من الاستمرار في عملية مليء جيوبهم بالسحت الحرام، وبدون هذه الممارسات والتصريحات سوف لن يتمكنوا من خداع البسطاء من القوم لكي يقوموا بانتخابهم ليبقوا في مواقعهم. اضف الى ذلك ان اغلب دول الجوار واسرائيل والولايات المتحدة، مرتاحين جدا لما يجري، لانه لولا هذه السياسات ووجود هذه النماذج الطائفية والشوفينية والفاسدة لما تمكنوا من جعل العراق ضعيفا ممزقا وتابعا ذليلا لهم ومهددا بالتشرذم في اية لحظة.
لن ينقذ العراق الا ابناءه الشرفاء الواعين القادرين على تصحيح المسار من خلال ثورة شعبية شاملة تزيح كل الوجوه الفاسدة والعنصرية والطائفية ( من كل المكونات)، وتعيد للعراق روح التسامح والقبول، بل والاعتزاز بالاخر المختلف دينيا او مذهبيا او قوميا، هذه الاختلافات (او بالاحرى التنوع الجميل) هي التي ساهمت في بناء العراق وحضاراته التي كان لها دورا رائدا في بناء الحضارة الانسانية في كل العصور. فالقائد الكردي من ابناءه يحرر فلسطين من الصليبين، والمسيحي يكون مبدعا وحاميا للغة العربية وحافظا لتراثها، والتركماني يلقن الصهاينة دروسا لم ينسوها لحد الان على ارض فلسطين، ومقابر الجيش العراقي في فلسطين الحبيبة تزدان بارواح شهداء من كل مكونات الشعب العراقي وبدون استثناء، ضحوا بارواحهم دفاعا عن تلك الارض الطاهرة، واليزيدي يقدس ارض العراق ويجعل منها مركزا لتجميع كل من يتبع هذا الدين، والصابئي يكنى عن جدارة ب(المتنبي الاخير) وشاعر العراق والمعبر عن مكنونات العراقيين جميعا وفي احلك الظروف، والمرجعيات الدينية في النجف ومن المدن المقدسة الاخرى تكون اول من يدعم ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، التي شارك فيها كل مكونات الشعب العراقي، ولم يفت في عضدهم النفي والتغريب والتضييقات الاخرى. والشباب من كل المكونات يخرجون بانتفاضة رافضين لكل الافكار الطائفية والشوفينية.،اما على المستوى السياسي فان كل التنوعات لم تمنع ابناء العراق من المشاركة في الاحزاب السياسية الوطنية المختلفة والعمل مع بعضهم البعض في بناء العراق ونهضته وتاسيس حركة وطنية موحدة فيه، حتى جاءت غمامة الاحتلال التي امطرت علي العراقيين حقدا وفرقة وفسادا وقتلا يوميا وكل ما عرفته البشرية من مساويء.
المتبحرين بالتاريخ، وتاريخ العراق بالذات، يؤكدون ان هذه البلاد مرت بضروف عصيبة كثيرة، وان كل مدن العراق الرئيسة من شماله الى جنوبه، وبالاخص بغداد، قد احتُلَت مرات ومرات، وهُدِمَت معالمها الحضارية والانسانية والثقافية، واستبيحت نتيجة لهجمات همجية خارجية متعددة وفتن داخلية بتحريض من الخارج، ولكنها كانت دائما تنهض من جديد على يد ابناءها الذين حاربوا الافكار المتخلفة، يقودهم المفكرين وطلبة العلم والشعراء والكادحين الملتصقين بارضه الطيبة، كي تزدهر فيها مرة اخرى الثقافة وروح الاخاء والتعاون بين العراقيين بكل مكوناتهم. وبالتاكيد سيأتي هذا التغيير على يد العراقيين، انفسهم مهما طال الزمن.
2021-01-04