برّاك وجولات تجريد حزب الله من سلاحه، هرولة نحو اتفاقات سلام يريدها ترامب!
كتبت: عبير بسام
يوم الإثنين، 21/ 7، عاد المبعوث الأميركي إلى سورية ولبنان، توم براك، إلى لبنان، وتسلم الرد اللبناني. وابتسم ايتسامة الثعلب مرة أخرى، ومنذ تسلم لبنان رسالة المطالب الأميركية الأولى منه، ومشهد تسارع الأحداث بدا خيالياً. وكأن مهمة المبعوث كانت الضغط على الزر ليبدأ تشابك الأحداث من السويداء إلى بيروت ومن فلسطين إلى سوريا، وكأن ما بشرنا به من تسارع الأحداث في بلاد الشام تحديداً قد وضع حيز التنفيذ. وفي قراءة المرحلة الجديدة في العالم العربي، منذ العام 2011، تبين أنه بعد صراع في سوريا دام 13 عاماً استنزفت فيها مقدراتها ومقدرات بلاد عربية أخرى، أن الربيع الذي جاء في العام 2011، كان عبرياً بإمتياز، واليوم ما نراه هو تثبيت لعبريته، وأن عهد “اسرائيل الكبرى” قد بدأ.
تضاريس المشهد ما قبل توماس برّاك:
منذ أن بدأت عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ اكتوبر 2023، دخلت المقاومة في لبنان في عملية اسناد لعملية طوفان الأقصى، توسعت المعركة ما بين المقاومة اللبنانية وما بين جيش الإحتلال، الذي علق بين كماشتين، فقام بشن هجوم على الجنوب لإحتلاله. دامت معركة الإجتياح منذ الأول من تشرين الأول 2023 حتى اتفاق وقف إطلاق النار بإشراف المبعوث الأميركي ذو الجنسية الصهيونية، آموس هوكشتاين، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. لم يستطع الكيان تقدم شبر في جنوب لبنان والتمركز فيه، بل مني بضربات قاسمة، حتى طلب وقف إطلاق النار، الذي كان من المفترض وقفه على الطرفين وبحسب قرار مجلس الأمن 1701، والذي أصدر بعد حرب تموز على لبنان 2006، ولكن يبدو أن وقف الحرب حمل خديعة كبرى باركتها أميركا، لأن الأحداث التي تلت أظهرت قراراً أميركياً، عفواً دولياً، بقلب المشهد في لبنان وسوريا والمنطقة، أي سايكس بيكو جديد.
في اليوم نفسه الموافق لوقف إطلاق النار، بعد أن رد الرئيس السوري وقتها، بشار الأسد، على طلب بوقف مد المقاومات في لبنان وفلسطين بالسلاح، بالرفض. فأطلق رئيس وزراء حكومة الكيان (بنيامين نتنياهو) تهديده: “يجب أن يفهم [الأسد] بأنه يلعب بالنار”. وبدأت عملية منظمة لإجتياح دمشق، وأُخرج الأسد من العاصمة بقرار روسي عبر قاعدة حميم. وكان ذلك بإجماع المجتمعين حلفاء وأعداء في الدوحة في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 2024. وما أن انتهى الإجتماع حتى ابتدأت عناصر هيئة تحرير الشام بالزحف نحو دمشق، ترافق الزحف مع هجومات جوية “إسرائيلية” على سوريا وأعلن خروجها القاسي من المشهد المقاوم. ومنذ تلك المرحلة وحتى اليوم يعتبر الصهيوني نفسه، بمباركة أميركية، في هدنة مفتوحة ومن طرف واحد مع لبنان، بمعنى أنه يقصف ويقتل ويهدم دون أي رد، فيما تلتزم المقاومة صبراً استراتيجياً بانتظار ساعة صفر موعودة ومحتمة.
خروج دمشق من المشهد المقاوم كشف ظهر المقاومة في لبنان بالتأكيد، مما مكن نتنياهو من احتلال تلال خمس إضافة إلى مزارع شبعا وكفرشوبا وإغتيال مدنيين وكوادر على حد سواء وقصف القرى جنوب نهر الليطاني وشماله وقصف للضاحية دون أن يرتفع اصبع لضامني الاتفاق من أمريكيين وفرنسيين في وجه نتنياهو، وبدأ الجيش اللبناني عمليات تفريغ الجنوب من سلاحه، فيما تستمر أصابع الإتهام بالإرتفاع في وجه الدولة اللبنانية كي تقوم بالقوة بنزع سلاح المقاومة في شمال الليطاني كما في جنوبه. ترافق المشهد مع تمدد الاحتلال الصهيوني فبدأ ببناء مراكز له في التلال الإستراتيجية في الجنوب اللبناني، والمزيد من القتل والإغتيالات والغارات والتدمير في كل مكان يستطيعون الوصول إليه. من المؤكد أن الإسرائيلي قد حصل على ضوء أخضر دولي باستمرار الخروقات دون رقابة. واليوم يدخل الجيش اللبناني إلى المزيد من المراكز التي يعتقد أن فيها سلاحاً يتم تفجيره عوضاً عن احتفاظ الجيش به في حالة تمت مباغتته باجتياح “إسرائيلي” جديد للجنوب اللبناني.
المشهد ما بعد وصول ترّمب إلى السلطة:
مع وصول ترامب إلى السلطة في بداية 2025، تسلمت مورغان اورثاغوس الملف اللبناني. لم تفوت أورثاغوس فرصة خلال زياراتها المكوكية إلى لبنان‘ إلا وذكرتنا بأن “الكيان الإسرائيلي” قد انتصر في المعركة، وشكر ترامب الكيان وهنأه على انتصاره. وما ذكرتنا به أيضاً وخلال لقاءات استفزازية على محطات لبنانية وعربية بأن المهمة الآن هي سحب سلاح حزب الله. ونشرت خلال لقاءاتها أن اتفاق وقف النار يتمحور حول سحب السلاح. حينها بات الحديث في لبنان وعن لبنان يتمحور في محطات عربية وغير عربية حول الإشاعة التي أطلقت حول سحب سلاح المقاومة في شمال الليطاني. وكلما شرفت أورثاغوس لبنان انهالت الضربات والإغتيالات الصهيونية للبنانيين، بحجة تفجير مراكز سلاح تم الإبلاغ عنها، ووصفت تصريحاتها من قبل قيادات المقاومة ومناصريها، وحلفاء المقاومة، بأنها استفزازية ووقحة وتعدت حدود الدبلوماسية، وكانت مطالبات بضرورة رفض استقبالها.
أثبتت الأحداث في سورية مع مشاهد المجازر ما بعد سقوط النظام فيها، والمترافق مع وصول دونالد ترمب إلى سدة الحكم في أميركا أن تسليم السلاح يعد خطرا كبيراً، والشروط التي كانت تغدو وتجيء بها أورثاغوس كانت مهينة خاصة مع طريقة فرض تسليم السلاح في لبنان، ولوهلة من الزمن كان بعض من أعضاء الحكومة ورئيسها يطالبون بحصرية السلاح بيد الدولة وبفرضه بالقوة. خلال تلك المرحلة من عمر الحكومة، زار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لبنان في 21 أيار/ مايو من اجل الوقوف على تنظيم أو سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، في وقت كانت فيه وماتزال “اسرائيل” تغتال الكودر الفلسطينية الواحد تلو الآخر. ولكن ثبتت صعوبة القيام بسحب السلاح لأسباب عدة منها ما يتعلق بوضع المخيمات المعقد ومنها بسبب استحضار مجازر صبرا وشاتيلا إلى الذاكرة في 16-18 أيلول/سبتمبر العام نفسه. عبر الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، والتي ذكرت بما حدث بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان في العام 1982 خلال اجتياح بيروت.
لم يتغير المشهد الذي وعد به ترمب أهالي مشيغان خلال حملته الإنتخابية بالوصول إلى سلام في الشرق الأوسط. وتعيين اورتاغوس، التي ابتدأت بالتعاطي مع لبنان كأنها المندوب السامي الأميركي، متجاوزة الرئاسات الثلاث في الجمهورية اللبنانية لتتواصل مع منتقدي المقاومة ومعارضي وجودها والعمل صراحة على تحريض الشارع اللبناني على المقاومة، عبر قيادت بعض الأحزاب، تحريض بات فيه لبنان على شفا انفجار حرب أهلية أخرى. كانت هناك اعتراضات كبيرة على طريقة تعاطي أورثاغوس مع الملف اللبناني، فذهبت وجيء بتوماس برّاك، ليكون المبعوث الأميركي إلى لبنان وسوريا في آن.
من هو، ولماذا، توماس برّاك؟
بالتأكيد هناك العديد من الصفحات التي يمكن عبرها قراءة السيرة الذاتية للسيد توم [كما يدعوه الجميع] برّاك. ولكن الهدف من معرفتها يتعلق تماماً بالدور السياسي والدبلوماسي الذي يلعبه. برّاك، ملياردير أمريكي يعمل في مجال العقارات، تماماً كما رئيسه ترمب. وهو سفير أمريكا في تركيا، ومبعوثها إلى كل من سوريا ولبنان. سلم الملف السوري بداية كإمتداد لعمله كسفير أميركا في تركيا. وهنا تتضح معالم أدوار اللاعبين الأساسيين الثلاثة في المشهد السوري في هذه المرحلة: أمريكا و”اسرائيل” وتركيا. التنسيق القائم بين الدول الثلاث ليس خافياً على أحد وإن كانت التصريحات الصهيونية أحياناً نارية ضد تركيا، فتركيا تعمل بطاقة تصل أحياناً 100% مع الأميركي، وأبو محمد الجولاني، أحمد الشرع رئيس سوريا الإنتقالي لاحقاً، كان رئيس حكومة إدلب وزعيم تنظيم هيئة تحرير الشام، والذي أزالته الولايات المتحدة وتنظيمه عن لائحة الإرهاب منذ فترة وجيزة لتستطيع من خلال التعامل معه أن تدير شؤون المنطقة عبر دبلوماسييها واللقاء به دون حرج.
وعندما يتولى رجال الأعمال وخاصة المختصين في شؤون تطوير العقارات العمل الدبلوماسي وإدارة العلاقات بين الدول، فلا يمكننا تخطي الأمر. فعقيدة المال التي ساقها ترمب خلال فترته الرئاسية الماضية 2016- 2020، وخاصة لناحية طريقة استجلاب المال وبيع الأسلحة والطائرات الأميركية، أمر وقف عنده البنتاغون ووكالة الأمن القومي بصرامة، وقد شهدنا رداً ترامبياً على المؤسستين خلال الفترة الأولى من استلام ترمب الحكم في الفترة الحالية، تغييرات جذرية في قيادة المؤسسات الأمنية بحيث باتت تعمل هذه المؤسسات وفقاً لخطة ترمب. فكل شيء ممكن بيعه للأصدقاء وشبه الأصدقاء، وإن كان البيع يهدد السياسة الخارجية الأميركية وأمنها القومي. كما ان أهم ما انتجته عقيدة المال الترامبية هو اتفاقيات أبراهام، والتي في الحقيقة هي اتفاقيات اقتصادية بحته ما بين الكيان الصهيوني والدول المطبعة، دون الحاجة إلى خلق حالة من السلام ما بين “الشعب الإسرائيلي” والشعب العربي، وهذه النقطة بالذات لا تتماشى مع العقيدة الصهيونية وليست من مصلحتها في أي حال من الأحوال. فأي سلام يتحقق أو علاقات سلام تتحقق ستؤدي في نهاية الأمر إلى انصهار القادمين الجدد في المجتمعات المحلية، وهذا ما أثبته تاريخ المنطقة على مر التاريخ، والصهاينة يريدون عدوا دائماً في المنطقة.
الإقتصاد لا الحرب:
من هذا المنطلق تحديداً، لا يمكن أن يكون هناك سلام في المنطقة وإنما دول طائفية ودينية متناحرة، وتتجهز لقتال بعضها بعضاً دون أي تدخل أميركي، وكل منها منغلق على طائفته، ولا مكان للعشائر أو الإثنيات إلا ضمن الطائفة حصراً. وعلى القوى الإقليمية المتبقية في المنطقة، مصر والسعودية وإيران وتركيا، عليها تجهيز نفسها أو تحصين نفسها، لأن العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة لن تقصي أحداً عن المخطط. ومن منطلق أن كل من ترمب وبرّاك أصحاب شركات عقارية، فيمكننا أن نرى كيف اجتمعت مصالح الرجلين لتلتقي على المصالح الإقتصادية في منطقتنا وفي فلسطين وسوريا ولبنان. لهذا فقد صرح ترمب ولم يلمح، بأن غزة يجب أن تكون منتجع سياحي. وتناقلت وسائل الإعلام أن هناك نية لخروج أميركا من شرق الفرات، وذلك لصالح تركيا ظاهرياً والكيان الصهيوني فعلياً، الذي سيستلم أمن المنطقة، وبالتالي فإن اجتماع وزير خارجية الحكومة الإنتقالية في سورية، أسعد الشيباني، مع وزير الشؤون الإستراتيجية في الكيان الصهيوني، رون ديرمر، في 25/7 في العاصمة الفرنسية برعاية برّاك والحديث عن الخطط القادمة للسياسات الإقتصادية في سوريا يعد أمراً ملفتاً. لأن الموضوع يتضمن بالتأكيد ممر داوود الإقتصادي والذي تقع على خطه كل من محافظتي السويداء ودرعا، مناطق الإشتباك الأخيرة، وصولاً إلى العراق، وموضوع غاز سوريا وانضمامها إلى منتدى غاز شرق المتوسط.
في 13 أيار/ مايو 2025، دعا ترامب من الرياض وقبيل لقاءه بالشرع فيها الى الدخول في مفاوضات جديدة [مع الكيان بالتأكيد]: قبل أن يفوت ألأوان”، مع أن الحكومة السورية المؤقتة كان أول إعلان لها، أن لا أعداء لها في المنطقة، في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الحربية الصهيونية تقصف قمة حرمون في جبل الشيخ، واحتلت مناطق سورية جديدة وواصلت احتلالها البري إلى مشارف قطنا على بعد 20 كم من العاصمة دمشق. واعتبر ترمب في اليوم السابق نفسه أن: “التغيير الحقيقي يبدأ بالإقتصاد لا الحروب”. وأكد نهاية اتفاق سايكس – بيكو عبر قوله: “لقد ولت الأيام التي يهبط فيها المتدخلون الغربيون في الشرق الأوسط ليلقنوا الناس كيف يعيشون وكيف يحكمون شؤونهم”. ومن ثم جاءت الحقيقة المرة على لسان برّاك نفسه حين جاء في المرة الثالثة إلى لبنان في 25 تموز/ يوليو، ليتسلم رد الحكومة اللبنانية على رد الحكومة الأميركية بعد أن كان سلم ورقة مطالب أميركية، في أول زيارة وردت عليها الحكومة اللبنانية، بأن “لبنان في جيب نتنياهو الصغير… ومصير اليونيفيل غير مضمون”، باختصار كما عنونت جريدة الأخبار مقالها في اليوم التالي للزيارة، بأن انتهى عهد التقسيم والقرار الأوروبي وابتدأ العصر الصهيوني.
الكلام حول لبنان وجيب نتنياهو نقله برّاك حرفياً عن لسان رئيس حكومة الكيان. إذن نحن في بداية العصر النتنياهي الصهيوني، وتقسيم المنطقة سيكون بحسب ما يتبقى من حدود الكيان الموسع الجديد. ولذلك قلنا أن المنطقة اليوم تتوزع قواها ما بين تركيا وإن بشكل محدود وما بين “اسرائيل” والولايات المتحدة، وبحسب ما تراه أمريكا مناسباً. وبالعودة إلى برّاك، الذي تم تعيينه كمندوب سامي في سوريا ولبنان، في 23 مايو/ أيار وبعد أيام من عودة ترمب إلى الولايات المتحدة من السعودية، بحسب المخطط الأميركي، لا يمكننا أن نهمل خلال قراءتنا أن تسريع حركة براك جاء بعد نتائج الحرب “الإسرائيلية” على إيران في 13 حزيران/يونيو، والتي لم تأت نتائجها المباشرة وغير المباشرة بما كانت تبتغيه كل من واشنطن وتل أبيب. ومن أهم النتائج كان القلق من الصواريخ الدقيقة التي تمتلكها المقاومة في لبنان وابتدأت حركة برّاك المكوكية ما بين سوريا ولبنان وفلسطين، الذي أطال في مدح وشرح التغييرات السريعة التي تشهدها الحكومة السورية، وأوصى لبنان باللحاق بالركب كي لا يفوته قطار التغييرات والتي تبدأ بسحب سلاح المقاومة، واعتبره شرطاً أساسياً لبدء عملية اعمار ما هدمه الكيان الصهيوني. مع العلم أن عملية تهديم الجنوب كانت خلال فترة هدنة الستين يوماً، ولم تكن خلال فترة الحرب، وما تزال الخروقات والإعتداءات مستمرة.
ماذا يريد برّاك؟
ما يريده المندوب السامي هو ما تريده “اسرائيل”، وهو تحقيق أمن الكيان. ليس لأن اسرائيل لا تستطيع ضرب لبنان، بل لأن اسرائيل كما قال نتياهو لا تريد خنجراً مخفي يهددها. الأمر الآخر الذي عرضه في ورقته، هو إعادة رسم الحدود ما بين لبنان وفلسطين بما يتناسب وأمن واقتصاد الكيان، خاصة لناحية احتلال المناطق المرتفعة في مزارع تلال كفرشوبا ومزارع شبعا، مما سيترتب عليه إعادة رسم الحدود البرية في حال استعاد لبنان النقاط السبعة المختلف عليها بموجب القرار 1701، وبموجب خرائط الحدود بين لبنان وفلسطين المودعة في الأمم المتحدة. وما يريده المندوب السامي بالتأكيد إعادة صوغ إتفاق مع لبنان خارج نطاق 1701، والإنقلاب عليه وبموجبه طالب اللبنانيين بالعمل على إضعاف حزب الله سياسياً وبالتالي هم من يمكنهم فرض تسليم السلاح، قائلاً خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد خلال زيارته الثانية إن: ” حل جميع الأمور يكون على مسار دبلوماسي… و[إن] حزب الله، هو حزب سياسي. وهي مشكلة اللبنانيين، هل سنحل لكم [أي الأميركيين] حزب لبناني”. مضيفاً أن الحزب ذو إطار عسكري. وأكد أن ما ستعطيه “اسرائيل” في المقابل: “فكرة ومفهوم وطريقة لوقف لأعمال العدائية… وخارطة طريق نحو السلام”. وأشاد بموقف سوريا الجديد: “سوريا مذهلة انتقلت من فوضى مطلقة إلى وقوف العالم بأكمله إلى جانب سوريا لأنهم بدؤوا من الصفر”، وهذا الكلام كذب، فما نشده في سوريا من عمليات القتل والتشليح وحرق البيوت وتقطيع الرؤوس تمتد من الساحل إلى حمص وريفها وريف حماة ودرعا والسويداء، وقريباً سنشهد هذا في دمشق نفسها. وتسائل برّاك، لماذا لا يبدأ لبنان من الصفر؟ ولماذا لا تقبلون بالوقوف وراء العالم؟ وأخيراً: “لا أموال بدون سلام”. أي أموال الإستثمار العربية المشروطة وغير المشروطة وغير العربية للإعمار، والتي لن يسمح لها بالدخول إلى لبنان.
الخلاصة
خلص برّاك خلال مؤتمره للقول بأن أميركا تريد عقدا جديداً ولا تريد تكرار ما حدث في العام 1967 أو 1997 [اتفاق نيسان] أو القرار 1701، ولا حتى اتفاق الهدنة 1949. في أواخر أيار/ مايو، وقبل العودة الثالثة إلى لبنان، أعاد برّاك كلام رئيسه لصحيفة نيوليبانون حول انتهاء عصر التدخل الغربي، وانتهاء خرائط تقسيم سايكس بيكو وقد يصل إلى إنهاء مهمة اليونيفل، معلناً عصراً جديداً من التقسيم، يبدأ في سوريا وينتهي في لبنان وتحدث عن عودة لبنان إلى بلاد الشام. وكان قبلاً قد وصف لبنان بأنه مفتاح المنطقة وأنه قادر على أن يكون لؤلؤتها، ولكن في الحقيقة جل ما يريده هو تسليم سلاح المقاومة، وأن تكون المقاومة في مواجهة مع شعبها وجيشها بدلاً من المعادلة التي قامت “جيش وشعب ومقاومة” منذ نهاية التسعينات وحتى مجيء الحكومة الجديدة 2025.
ومنذ ابتدأت المطالبة بنزع سلاح حزب الله وسلاح الحشد الشعبي في العراق نشر العديد من المغردين العراقيين واللبنانيين وغيرهم صورة تجمع قائد قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة كيرمنس، وهو برفقة ميلازوفيتش قبل يوم، من تنفيذ الأخير مذبحة سربينيتشا 1995، بعد أن أقنع كيرمنس أهل المدينة بتسليم سلاحهم وأن قوات حفظ السلام سوف تحميهم. بعد التسليم خرجت الكتيبة الهولندية، وحصدت المجزرة 8000 شخصاً معظمهم من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16- 60 عاماً. وهذا ما حصل في الساحل السوري بعد تسليم السلاح، وما كاد يحصل في السويداء لو تم تسليمه. كما غصت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر التطمينات التي حملها المبعوث الأميركي، فيليب حبيب، وهي رسالة خاصة من الرئيس الأميركي، رونالد ريغان، لرئيس الجمهورية اللبنانية، الياس سركيس، أنذاك حين زار بيروت في 27 شباط/ فبراير 1982، بأن “اسرائيل” لن تجتاح الجنوب. في ذلك العام وصلت قوات الكيان إلى بيروت، وكانت حصيلة الإجتياح 120 ألف شهيد لبناني وفلسطيني وآلاف المخطوفين ، الذين ما يزال مصيرهم مجهولاً. هذه العودة لتاريخ الوعود الأميركية والمجتمع الدولي عبارة عن رسائل تحذير يرسلها أهل لبنان والعراق، خاصة، لبعضهم البعض، خاصة وأن خطر المجموعات الإرهابية القائم على حدود البلدين لا يبشر بالخير.
يتحدث الكثيرون عن أن لدى لبنان فرصة حتى أيلول/سبتمبر موعد اجتماع الجمعية العامة، وموعد إصدار قرار التمديد لليونيفل في لبنان. والبعض الآخر يتجدث عن فرصة حتى تشرين الأول/ اكتوبر، قبل الإجتياح الإفتراضي الصهيوني الجديد. وهذا الإجتياح قد يكون مرتبطاً بالتحديد بصدور نتائج مستحقي جائزة نوبل للسلام، والتي ستعلن في 10/10 كما كل عام. فقد جاء في سياق الحديث عن الأمن والسلام مقابل الأموال خلال المؤتمر الصحفي لبرّاك في الزيارة الثانية، فأكد أن الرئيس الأميركي “مستعد ويشجعكم وهو ملتزم، ولديه شجاعة كبيرة ولكن ليس لديه الصبر الطويل”. وأكمل: “الرئيس الأميركي يريد جائزة نوبل للسلام”، والتي، ومن سخرية القدر، قدم له رسالة الترشيح لنيلها سفاح غزة نتنياهو خلال زيارته لواشنطن في الثامن من هذا الشهر. ونحن اليوم في لبنان والمنطقة نسير على وقع رغبة ترمب الشديدة بأن يقدم للعالم كراعي للسلام بين لبنان وسورية و”اسرائيل”، تماماً كما حصل عليها سلفه، جيمي كارتر، بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر و”اسرائيل”.
2025-08-10