بريطانيا تكرّم طوني بلير.. غزو العراق مسألة هامشيّة!
حسام عبد الكريم
شهدت قلعة ويندسور الملكية في الثالث عشر من حزيران الجاري احتفالاً رفيع المستوى تم خلاله تكريم طوني بلير, الذي شغل منصب رئيس الوزراء ما بين 1997 الى 2007, ومنحه اعلى وسام شرف ملكي. وحصل “السير طوني” على لقب “فارس” وأصبح عضوا في “وسام الرباط” وهو أقدم وسام للفروسية في بريطانيا. لم تبالِ المؤسسة الملكية بالاستياء الذين شعر به كثير من البريطانيين (وقع أكثر من 550 ألف شخص على عريضة تطالب بسحب وسام فارس من بلير بسبب دوره في حرب العراق) ومضت قدماً في اجراءات التكريم .
طوني بلير قدم خدمات جليلة للدولة العميقة في الامبراطورية العجوز ولوريثها الكاوبوي الامريكي جعلته أهلاً لهذا التكريم العالي المقام. على صعيد الداخل البريطاني كان اهم انجازات طوني بلير قيادته لعملية “مسخ” حزب العمال البريطاني وجرّه باتجاه سياسة يمينية بعيداً عن اصوله العمالية والنقابية , مما جعله اقرب ما يكون الى نسخة مشوهة من حزب المحافظين اليميني. والى اليوم لا زال حزب العمال يدفع ثمن ذلك التحول الذي قاده بلير بحجة تطوير وتحديث الحزب , فكرياً وسياسيا, مما ادى الى تراجع التأييد له على المستوى الشعبي وانفضاض قطاع من انصاره التقليديين عنه. ورغم محاولة اليساري الملتزم جيريمي كوربن العودة لتراث الحزب واصوله, إلا انه لم ينجح في التغلب على مدرسة وانصار بلير الذين زرعهم في كل مفاصل “حزب العمال الجديد”, كما سمّاه بلير, خلال عقد كامل من قيادته. والنتيجة أن حزب العمال لم ينجح في العودة الى السلطة منذ خسارته الانتخابات عام 2010 والى الان.
الإرث السياسي لطوني بلير يرتبط أكثر ما يكون بالسياسة الخارجية , وخصوصاً غزو العراق عام 2003. تماهى طوني بلير , الذي يحكم بريطانيا باسم “العمال”, في علاقة تبعية عمياء للسيد الامريكي الى حد أن علاقته بالرئيس الجمهوري اليميني جورج بوش الابن صارت تشبه علاقة تاتشر – ريغان في الثمانينيات. تمكن بلير من توحيد الطبقة السياسية في بريطانيا , محافظين وعمال, خلف المشروع الامريكي لغزو العراق وحصل على تفويض البرلمان لارسال 45 ألف جندي مع الامريكيين للهجوم على العراق, على الرغم من المعارضة الشعبية والمظاهرات واسعة النطاق ضد الحرب. “سوف اكون معك, مهما حصل” , هذا ما قاله بلير لبوش, متعهدا له بالتبعية التامة.
انضم طوني بلير الى رباعي الحرب الامريكي , بوش – تشيني – رامسفيلد – باول الذين تولوا مشروع الغزو, وصار عضواً في غرفة عمليات الحرب الامريكية على العراق. ومثلهم, قام طوني بلير بدور مهم في الحرب الدعائية وفبركة الأدلة على امتلاك العراق المزعوم لأسلحة الدمار الشامل. في شهر ايلول 2002, واثناء الاستعدادات للغزو, ظهر ما صار يعرف بـــ “دوسيه الحرب” الذي هو ملف من 55 صفحة اعلنته حكومة طوني بلير وقدمته امام البرلمان لتبرير انخراطها المقبل في الحرب. وأشهر كذبات ذلك الـ “دوسيه” التي ذاعت وانتشرت, أن العراق قادر على تجهيز رؤوس حربية لأسلحة بيولوجية وكيميائية خلال 45 دقيقة! ولمزيد من الاثارة والتهييج, أضاف دوسيه بلير أن صواريخ العراق قادرة على الوصول الى اوروبا (بالتحديد قبرص). ولا حاجة بنا الى الحديث كثيرا عن تلك الاكاذيب وبيان كمية التلفيقات التي تضمنتها , فالعالم كله بات يعرف ذلك.
في عام 2016 نشر في بريطانيا ما يعرف بـ “تقرير شيلكوت” وهو خلاصة سبع سنين من التحقيقات في كل ما يتعلق بالحرب على العراق 2003 وملفاتها ودور المسؤولين فيها. وخلص التقرير الى إدانة واضحة لطوني بلير واتهمه بالتلاعب بالادلة وتشويه الوقائع لتبرير الحرب. وبسبب الضغط الذي ولّده التقرير اضطر بلير لتقديم بيان علني أعلن فيه عن شعوره “بالأسى والندم والاعتذار” عن حرب 2003 ضد العراق.ولكنه في ذات البيان تابع كلامه ليوضح أن اعتذاره موجّه لعائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق (وليس للشعب العراقي الذي خسر مئات الالاف من ابنائه بسبب ذلك الغزو الوحشي واللاقانوني). وأصرّ طوني بلير , رغم اعترافه بأن أدلة الاستخبارات التي قدمها لم تكن صحيحة, على أن قراره بالمشاركة مع الامريكيين في الحرب والقضاء على صدام صدام حسين كان صائباً !
لو كانت هناك عدالة في هذا الكون لكان مصير طوني بلير قفص الاتهام أمام محكمة جنايات دولية. ولكننا بدلاً من ذلك نشهد بلداً عريقا في الديمقراطية والليبيرالية يكرّم مجرم حربٍ معروفٍ أمام الدنيا كلها. بتكريمها طوني, فإن بريطانيا تقول للعالم : ابحثوا عن الأشرار بعيدا عنا . انهم هناك في الشرق وفي افريقيا. أما نحن فبيضٌ لطيفون متحضرون. و”الفارس” طوني بلير غزا العراق “عن طريق الخطأ”. هذا كل ما هنالك, فلا تكبّروا الموضوع !
روابط:
1- تقرير BBC حول تكريم طوني بلير
https://www.bbc.com/news/av/uk-61791728
2- طوني بلير يتكلم عن شعوره بالاسى والندم , ولكن يصر على ان قراره بالقضاء على صدام حسين كان صائبا