اي تاثيرات للأزمة الاوكرانية علی الشرق الاوسط ؟
محمد صالح صدقيان
لا اعتقد أن الدول القريبة من اوكرانيا تستطيع النوم بهدؤء دون ان تقّيم لحظة بلحظة تطورات الازمة الاوكرانية وما هو المطلوب منها في مثل هذه الظروف الصعبة . تشارك .. تتعاطف .. تمانع .. تقف مع هذا الطرف ام ذاك . وفي نهاية المطاف ما هو الموقف الاكثر جدوی من اجل تامين مصالح الامن القومي لهذه البلدان .
اتخاذ “تقدير الموقف” الصحيح امر ليس بالامر الهين مادامت هذه البلدان تعيش بالقرب من ساحة النزاع التي تعبر تداعياتها المحيطات لتعيد حالة الاصطفاف السياسي والامني في المجتمع الدولي علی خلفية اوكرانيا ولسان الجميع : “من لم يكن معنا فهو ضدنا” .
ليس من المبالغة اذا قلنا أن من يعيش في اوروبا قلق اكثر من غيره بسبب وقوفها بين المطرقة الامريكية والسندان الروسي . هذه المطرقة تری ان الفرصة المتوفرة حاليا من افضل الفرص التي تستطيع اطلاق رصاصة الرحمة علی الدب الابيض في موسكو بعدما عكر عليها نومها الهادیء في عش الاحادية القطبية عندما انهار الاتحاد السوفيتي .
الادارة الامريكية تفكر الان فرض عقوبات علی الدول التي لم تلتزم بقرارات المقاطعة الصادرة منها وبذلك تمارس اقسی حالات الضغط السياسي والامني والاقتصادي علی روسيا بعدما ادركت ان الدخول في معركة عسكرية مهما كان مستواها يعني اندلاع حرب عالمية لن تكون اقل من النووية حسب تعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف .
بلدان الشرق الاوسط هم الهدف الثاني بعد اوروبا بسبب هشاشة الامن فيها واستجابتها السريعة للتطورات الدولية اضافة الی فراغها من “النظام الامني” منذ انهيار الحرب الباردة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره .
النظام الدولي والعلاقات الدولية يخضعان لنظم تسير وفق قواعد ومقاربات محددة استنادا الی مواثيق وقوانين وضعتها مؤسسات دولية من اجل ضبط الامن في المجتمع الدولي . الخلل في اي من نقاط هذه المنظومة يؤثر بشكل مباشر علی بقية النظم ما لم يتدارك القائمون عليها لاعادتها الی حالته الطبيعية .
من السذاجة بمكان التصور ان الازمة الاوكرانية ستمر مرور الكرام علی اوروبا كما انه من البساطة ايضا الاعتقاد ان الشرق الاوسط سيكون في منأی من هذه الازمة .
ان المواجهة المفتوحة حاليا بين اوروبا والولايات المتحدة من جانب وروسيا من جانب اخر ، ستؤثر بشكل مباشر او غير مباشر علی الاصطفاف والاستقطاب الامني والسياسي في الشرق الاوسط وفق “قواعد اشتباك” جديدة تكون بديلا عن الاستقطاب التقليدي الذي كانت تمتاز به منطقة الشرق الاوسط مند انهيار الاتحاد السوفيتي .
المنطقة الاوربية تحررت من ضغوط الحرب الباردة ، لكنها اليوم تعود الی اجواء تلك الحرب ، وهذا ما يؤثر علی سوق الطاقة في الشرق الاوسط ، وتحديدا مادة الغاز .
ان الضغوط والحظر المتزايد للدول الغربية علی روسيا سيؤثر علی برنامج “الحزام والطريق” الصيني بالشكل الذي يشجع الغرب اعتماد مصادر الطاقة في منطقة الشرق الاوسط وتحديدا في استيراد الغاز الطبيعي ؛ الامر الذي يشجع الصين الی لعب دور اكثر قوة في منطقة الشرق الاوسط ، كما انه يشجع الدول المحلية في هذه المنطقة للمشاركة في صياغة “النظام الامني” اذا ما تم التفكير بوضع قواعده لهذه المنطقة .
لا اريد التقليل من اهمية وحجم الدول في منطقة الشرق الاوسط .. الا ان الواضح وجود ثلاث قوی رئيسية فيه تملك مشاريع وبرامج . المشروع التركي ؛ المشروع الاسرائيلي والمشروع الايراني .
التركي عضو في حلف شمال الاطلسي الناتو ؛ يملك قواعد عسكرية للناتو واخری للقوات الامريكية وثالثة ل”اسرائيل” ويسير وفق ضوابط هذه الجهات الثلاث . ووفق معهد واشنطن ، “تم نقل “اسرائيل” في 15 كانون الثاني / يناير 2021 من منطقة عمليات القيادة الاوروبية للقوات الامريكية الی منطقة عمليات القيادة المركزية (مقرها البحرين) لتسهيل التعاون الامني الثنائي والاقليمي وتقاسم الاعباء لقيام حوار بين الجيشين الامريكي و”الاسرائيلي” حول الشراكة الصينية الايرانية” . اما ايران ، فإنها دولة مشاكسة ؛ لا تسير وفق القراءة والرؤية الغربية . ليست لها علاقة بحلف الناتو ؛ كما انها ليست ذات صلة بالقيادة المركزية للقوات الامريكية ؛ وفي ذات الوقت لم تدخل في اي تحالف عسكري مع روسيا او الصين . ربما تم تعاون بشكل معين ومحدود علی خلفية الازمة السورية لكنها لا تملك عملا امنيا وعسكريا مشتركا غير ذلك ؛ وعملية “امتناع” وليس “رفض” التصويت علی قرار منظمة الامم المتحدة بشان روسيا الاسبوع الماضي يحمل العديد من الدلالات .
فيما يخص الدور التركي ؛ كان واضحا انحيازه الكامل للموقف الغربي بما تمليه قواعد انضمامه للناتو وعلاقته مع الولايات المتحدة ؛ وبالتالي فإن دوره يبقی تحت السيطرة ، ولا اعتقد انه سيكون مشاكسا مزعجا في التفاصيل .
اما الدور “الاسرائيلي” فإنه منسجم مع الموقف الغربي ومع تصورات القيادة المركزية ومع اهداف القوات الامريكية في المنطقة دون ان نذهب كثيرا في شرح التفاصيل .
تبقی ايران ، فهي حذرة .. قلقة .. تشاهد وتراقب وترصد ، لانتهاج الموقف الذي يحفظ مصالحها وهي تخوض مفاوضات شاقة ومعقدة في فيينا منذ ابريل الماضي دون ان يتم التوصل الى اتفاق لحد الان . هذا الحذر والقلق عكستهما مواقفها الضبابية حيال حرب اوكرانيا . فهي رفضت الحرب ، لكنها ادانت الغرب دون ان تدين روسيا . لم ترفض قرار الجمعية العامة للامم المتحدة بشان روسيا لكنها امتنعت عن التصويت. لم تدن روسيا ، لكنها لم تعترف بانفصال دونيتسك ولوهاتسك . مرد هذه الضبابية قلقها من تمدد حلف الناتو نحو الشرق لان ذلك سيجعل صواريخ الحلف علی مرمی حجر من حدودها وهو ما يسبب لها اخطارا امنية بامتياز . لكن تجاربها السابقة مع غزو العراق عام 2003 وافغانستان عام 2001 اوجد لديها خبرة بالشكل الذي تجعل مصالح امنها القومي في الاولوية رغم وعورة الطريق وقساوة المشوار.
U2saleh@gmail.com
6.3.2022