اين نجحت امريكا في سوريا واين فشلت
كمال مجيد
كنبذة تأريخية : يعود الخلاف مع سوريا الى نهاية حرب الكويت حيث وقف الرئيس حافظ الاسد مع امريكا. فسافر جيمس بيكر الى دمشق مقترحاً الصلح مع اسرائيل مع انشاء انبوب، عبر سوريا، لنقل الماء التركي من سد اتاتورك الى اسرائيل.
رفظ الاسد المشروع كما فشل الاجتماع بين كلينتون والاسد في اذار 2000م في تحقيق الصلح مع اسرائيل. اثناء المقاطعة الاقتصادية للعراق انحاز الرئيس بشار الى جانبه فتم فتح انبوب النفط العراقي الى ميناء بانياس وتمكنت سوريا من استلام 200 الف برميل في اليوم بسعر يقل بين 10 – 15% من السعر العالمي.
ومقابل ذلك اخذت سوريا تصدر نفطها الخفيف بسعر يفوق سعر السوق.
هكذا ربحت حوالي مليار دولار في السنة. كما ان بضاعتها اخذت تتدفق الى العراق الذي كان يجابه المقاطعة الاقتصادية.
كل هذا ازعج امريكا وحثها على ادخال سوريا في قائمة الدول ((المارقة)).
لقد كان للمحافظين الجدد الدور الاساسي في عداء امريكا تجاه العناد السوري ورفضها الاعتراف باسرائيل. امتاز ديك تشيني ورامسفيلد بالتعصب ضدها وطالبا بادخالها ضمن قائمة ((محور الشر))، المنحصر حينذاك على العراق وايران و كوريا الشمالية.
اعطت احداث 11/9/2001 في نيويورك الفرصة الذهبية لاعتبار الدول الرافضة لاسرائيل كأعداء امريكا وكانت سوريا في قمة القائمة.
يقول كلارك ويزلي، السكرتير العام السابق لحلف الاطلسي، ((أن تعليماتاً صدرت من وزارة الدفاع الامريكية، بعد اسابيع من احداث 11/9/ 2001 ، لرسم الخطط للهجوم وتحطيم الحكومات في سبع دول خلال خمس سنوات بدء ً بالعراق ثم سوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وايران … وذلك للسيطرة على الكم الهائل من النفط والغاز في المنطقة.))
لقد اصبحت سوريا عدواً لدوداً لأمريكا حين حاولت في هيئة الامم المتحدة وفي الجامعة العربية ان تشكل جبهة معارضة للعدوان الامريكي على العراق.
لقد صرح ميخائيل وهبة، ممثل سوريا في الهيئة، بأن الادلة التي تقدمها امريكا، حول اسلحة الدمار الشامل العراقية، هي ادلة ((مختلقة)) تستخدمها كحجة لضرب العراق بغية افساح المجال ((للشركات الامريكية والاسرائيلية ان تجني ارباحها من المقاولات التي تلي هدم البلاد.))
صوتت سوريا لصالح القرار 1441 لاعادة المفتشين الى العراق بغية تجنب الهجوم عليه. وفي نفس الوقت اقترحت على الجامعة العربية، دون جدوى، ان تمتنع من السماح للقوات الامريكية من استخدام اراضيها للهجوم على العراق.
وفي عشية الهجوم حث مفتي سوريا المسلمين في العالم على ((استخدام كل السبل، بما في ذلك الشهادة، لافشال العدوان الامريكي – البريطاني – الصهيوني.)) وبعد الاحتلال سمحت سوريا آلاف المتطوعين بعبور الحدود للاشتراك في حركة المقاومة.
ثم التجأ الى سوريا حوالي مليون عراقي، بينهم عدد كبير من قادة واعضاء حزب البعث. فبدأ رامسفيلد و ولفوفيتز وفيث بحملة دعائية ضد سوريا ورئيسها، بل قصفت امريكا المركز التجاري السوري في بغداد واوقفت تدفق النفط العراقي الى سوريا.
لقد عزز المحافظون الجدد علاقتهم بالليكود وساندوه في انشاء المستعمرات الاسرائيلية في الضفة والاسراع نحو تأسيس ((اسرائيل العظمى.)) ( راجع ريموند هينبوش، استاذ في جامعة سانت اندروز والمنشور في ( Contemporary Iraqi Studies, no.3, 2008 )، الذي يؤكد ايضاً على ان هذه السياسة كانت مخالفة للرأي العام العربي فقرروا التغطية على هذا النشازعن طريق ((استخدام القوة العسكرية الهائلة لتغيير الوضع في الشرق الاوسط بصورة ديناميكية.))
بعد اعتراف مصر والاردن باسرائيل التي اصبحت القوة النووية الوحيدة في المنطقة توصل المحافظون الجدد الى عدم الرغبة في الصلح بين اسرائيل وسوريا على حساب خسارة هضبة الجولان التي تجهز اسرائيل بثلث مياهها. فقرروا تحطيم سوريا حسب ما اسموه بنظرية (( Creative destruction )) اي التحطيم بابداع بدل الاستقرار (راجع هينبوش المذكور اعلاه).
وبخصوص سوريا قرروا التركيز على الضغط والتهديد المبكر والمقاطعة الاقتصادية.
كل هذا حث الحكومة السورية على مساعدة المقاومة العراقية وعلى توثيق علاقتها مع روسيا والصين والبلدان الاسيوية الاخرى.
من الضروري الاشارة الى وجود قاعدة عسكرية روسية في ميناء طرطوس السورية والتي انشئت نتيجة لاتفاقية السلام والصداقة بينها وبين الاتحاد السوفياتي في 8/10/1980. وينص البند الثالث منها على ضرورة ((الكفاح ضد الامبريالية والعنصرية والصهيونية.)) بينما ينص البند السادس على: (( في حالة بروز اوضاع تهدد سلام او امن احد الطرفين، اوتشكل خطراً على امن اوسلام احد الطرفين …..فان الطرفين الساميين المتعاقدين سيباشران فوراً اجراء اتصال بعضهما مع البعض الاخر بهدف تنسيق موقفهما والتعاون من اجل ازالة الخطر القائم واعادة السلام.)) وللاتفاقية بروتوكالات غير معلنة حول البنود العسكرية وحول طرطوس.
فالدولة الروسية لا تستطيع الابقاء على قاعدتها هناك دون الاستمرار في مساندة سوريا في محنتها الحالية.
وبصورة خاصة توثقت العلاقات السورية الايرانية، ومع النهوض الاقتصادي والتقني الايراني المدهش، زاد التعاون بينهما الى درجة برزت امكانيتهما في خلق المشاكل لأسرائيل وامريكا معاً.
في 16/6/2006 وقعت ايران وسوريا اتفاقية التعاون العسكري ضد ((الخطر المشترك الذي توجهه اسرائيل والولايات المتحدة لهما)) وبعد ايام هاجمت اسرائيل واحتلت جنوب لبنان لمحاربة حزب الله اللبناني في تموز/يوليو 2006 التي استمرت حتى 14/8/2006.
في مقابلة تلفزيونية صرح رولاند فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي السابق، بأن ((الحكومة البريطانية خططت عمليات سرية في سوريا منذ 2009 .)) و ((كنت في بريطانيا سنتين قبل بدء العنف في سوريا … وقد قابلت مسؤولين في القمة البريطانية الذين اعترفوا امامي بأنهم كانوا يحضرون شيئأً ضد سوريا كتحضير المسلحين للهجوم عليها.))
هذه الحقائق تؤكد على ان الهجوم على سوريا من قبل امريكا وبريطانيا قد تم التخطيط له سنوات قبل التنفيذ. انها تؤكد ايضاً على أن هناك اسباب حقيقية مهمة لعداء امريكا لحكومة بشار الاسد.
فهناك تناقض واضح بين سياسة الحكومتين حول احتلال العراق والهجمات الاسرائيلية المتكررة ضد الشعب الفلسطيني واللبناني وموقف الدولتين من بروز ايران كدولة قوية تجهز الاسلحة لحزب الله والمقاومة الفلسطينية، في حين تنظر اسرائيل و الحكومات النفطية الحليفة في الخليج الى ايران وكأنها (( رأس الافعى)) يستحق القطع قبل ان تتحول الى قوة نووية.
وكخطوة اولى قررت امريكا تنفيذ سياسة ((التحطيم بابداع)) وادخلت قواتها الخاصة الى سوريا حتى قبل نشوب المظاهرات فيها ( راجع جوليان اسانج ، محرر ويكيليكس في مقابلته للدكتور غنوشي على قناة روسيا اليوم) لتدريب المتطوعين السوريين على القتال والاستمرار فيه لا حتى يتم اسقاط بشار الاسد فحسب بل لتحطيم سوريا واعادتها الى القرون الوسطى.
يمكن اعتبار اجتماع وزراء الخارجية لـ 17 دولة في فينا في 30 نشرين الاول/ اكتوبر الخطوة الاولى التي تبشر بنهاية الحرب في سوريا.
بل الاهم من ذلك ان الاجتماع جاء لاعلان امريكا على فشلها في ازاحة الرئيس بشار الاسد عن الحكم وان تصريحات جون كيري قد اشار الى ذلك بصورة مبطنة. ان الاجتماعات التالية والتي سينظم اليها ممثلون للحكومة السورية وما يسمى بـ ” المعارضة المعتدلة” ستنتهي لصالح السلم في سوريا المنكوبة.
وهنا لابد من جرد الاحداث للاطلاع على بعض ما حققته امريكا من النجاحات في هذه الحرب المؤلمة وبعض ما فشلت فيها:-
قبل كل شئ نجحت امريكا في تنفيذ سياسة ((الفوضى الخلاقة )) او ما يسميه البروفسور هينبوش بـ
(( Creative destruction )) (راجع اعلاه.) حقا ً نجحت امريكا، مستخدمة اموال سعودية وقطرية وعربية اخرى، في تحطيم البنية التحتية والفوقية لسوريا المسكينة وقتل اكثر من ربع مليون سوري وتحويل عشرة ملايين منهم الى لاجئين وحرمان اطفاهم من الدراسة.
من الضروري ان نتذكر كيف الحت هيلري كلنتون، وزيرة الخارجية، سنة 2012 على المعارضة السورية (( ان تستمر في الحرب وعدم القاء السلاح )) بعد ان اقترح الرئيس بشار على ((ايقاف العدوان والدخول في المفاوضات لحل الخلافات.)) هكذا تمكنت امريكا من ضم سوريا الى قائمة البلدان المحطمة مثل العراق وليبيا واليمن والصومال، كما صرح السكرتير العام الاطلسي كلارك ويزلي كما جاء اعلاه.
بالرغم من هذا النجاح الامريكي انها فشلت ، فشلا ً ذريعاً، في مناسبات عديدة اثناء الحرب. لقد كان لامريكا خمسة اهداف رئيسية في حربها على سوريا وهي:-
1 – اسقاط حكومة بشار الاسد لتشكيل حكومة عميلة تعترف باسرائيل دون اعادة الجولان.
ذلك لأن اسرائيل تنال ثلث ما تحتاجه من الماء من الجولان كما اشار الى ذلك البروفسور هينبوش اعلاه.
بالطبع فشلت امريكا في تحقيق هذا الهدف عن طريق القتال وحفظاً لماء وجهها، ووجه السعودية، اخذت تثرثر حول تبديل الاسد بغيره عن طريق الانتخابات في المستقيل القريب او البعيد.
فالوزير جون كيري الذي كان يشجع المعارضة السورية في اجتماع جنيف الثاني على مناقشة ازاحة الاسد قبل الارهاب نجده يصرح بعد اجتماع فينا بأن المجتمعين اتفقوا على ضرورة القضاء على الارهاب قبل كل شئ.
2 – لقد تم اكتشاف كمية هائلة من النفط والغاز في سوريا وفي المياه السورية في البحر المتوسط. بالطيع ارادت الشركات الامريكية استثمارها لغرض الربح.
من الجهة الثانية ارادت دولة قطر، بالتعاون مع الشركات الغربية، ان تمد انبوبا ً عبر سوريا الى البحر المتوسط لتصدير غازها الى اوروبا لمنافسة الغاز الروسي.
لم يجد المشروع تشجيع الحكومة السورية فجاءت الضرورة لازاحتها. والآن فشلت امريكا ودولة قطر في تحقيق حلميهما.
3 – كانت للاتحادالسوفياتي، ولروسيا فيما بعد، ثلاث قواعد في ام قصر العراقية وفي ليبيا وطرطوس في سوريا.
لقد نجحت امريكا في السيطرة على القاعدتين في العراق وليبيا .
فكان احد اهداف العدوان الامريكي على سوريا هو السيطرة على طرطوس وبالتالي منع الاسطول الحربي الروسي من دخول البحر المتوسط. بالطبع قررت روسيا الوقوف الى جانب سوريا لا للدفاع عن الشعب السوري الحليف فحسب بل ايضا ً للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
فكان من الطبيعي ان تلبي حكومة بوتين طلب الرئيس بشار في تنفيذ بنود اتفاقية الدفاع المشترك، راجع اعلاه، وارسال الطائرات والمروحيات للدفاع عن سوريا وعن قاعدة طرطوس.
فتصريح الرئيس بوتين والمنشور في جريدة رأي اليوم الغراء في 11/10/2015 ، بـ “استخدام صواريخ كاليبر ( من بحر قزوين) ضد الإرهابيين بسوريا يظهر استعدادنا لاستخدام أسلحة متطورة إذا ما دعت الحاجة” ادخل الرعب في قلوب الامريكان.
فالرئيس اوباما يدرك جيداً بان القنابل الذرية والهيدروجينية الموجودة عند بوتين هي ايضاً ((اسلحة متطورة)) صنعت لاستخدامها ((اذا ما دعت الحاجة ))، لا في سوريأ، بل لضرب الاهداف الامريكية في الولايات المتحدة.
لقد وجد الرئيس اوباما نفسه، وهو في سنته الاخيرة من حكمه، امام خيارين: اما توسيع حربه على سوريا وتحويلها الى حرب عالمية واما الرضوخ للامر الواقع والقبول بالحل السلمي. ولهذا اضطر كسير القلب السيد عادل الجبير السعودي ان يصرح في صحيفة الرياض في 1/11/2015 بأن (( التدخل الروسي في سوريا عقد الأمور. )) ولهذا يعتبر كاتب هذه السطور اجتماع فينا كشئ مهم وايجابي سيؤدي الى افشال الحرب الامريكية على سورية بصورة نهائية.
4 و 5 – نشبت الحرب في سوريا لا لتحطيمها فحسب بل ايضاً للدفاع عن اسرائيل وبناء ً على رغبة شيوخ الخليج في كسر العلاقات القوية التي تربط سوريا بكل من ايران وحزب الله .
فالسلم في سوريا سيقضي على هذا الحلم وستبقى سوريا مرتبطة بالمعاهدة الاستراتيحية، المذكورة اعلاه، مع ايران فتستمران في مساندة حزب الله في دفاعه عن لبنان ضد العدوان الاسرائيلي.
ان خضوع امريكا والقبول بمشاركة ايران في مؤتمر فينا، مع كونها دولة مدافعة عن سوريا وعن جزب الله، دليل واضح على فشلها وفشل اصدقائها الخليجيون.
لقد فشلت امريكا خلال الحرب في مناسبات اخرى. فمثلا اتهمت الحكومة السورية باستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد ابناء شعبها فاسرعت امريكا في جلب سفنها الحربية الى البحر المتوسط، مهددة استخدامها ضد سوريا.
الا انها اكتشفت بان عليها مجابهة السفن الروسية، بل حتى الصينية، التي تنتظرها في طرطوس.
ولاول مرة اضطرت الدولة الامريكية العظمى ان تكف عن التهديد بل الى نقل قسم من اسطولها الى بحر الصين.
من المفيد ان نذكر باختصار بان امريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت اجنت اورانج ضد الشعب الفيتنامي وغاز السارين في لاوس وكمبوديا والاسلحة البايولوجية في بناما وكوبا بل انها استخدمت اليورانيوم المنضب في كل من البوسنة وكوسوفو والعراق وافغانستان. فمن الوقاحة ان تجرأ امريكا وتتهم سوريا بمثل هذه الجريمة.
بعد سنة من استخدام امريكا طائراتها في العراق وسوريا لمحاربة داعش، بنعومة ملحوظة، اعترفت بانها فشلت في مهمتها.
بالعكس تمكنت داعش من توسيع الاراضي التي تحتلها وقبل ايام تمكنت من احتلال تدمر وتخريب الاثار فيها. هناك الكثيرون من الخبراء والاعلاميون الذين يؤكدون على ان امريكا تشجع داعش على الحرب وتعمل على ادامة هذه الحرب الظالمة بغية انهاك شعوب المنطقة من جهة ولابعاد شرور الارهاب من اوروبا وامريكا.
واخيراً وليس آخراً صرفت امريكا 500 مليون دولار لتدريب ما يسمى بالمعارضة السورية “المعتدلة ؟ ” الا ان قائد الجيش الامريكي اعترف امام مجلس الشيوخ بأن هناك فقط اربعة او خمسة محاربين من هذه ” المعارضة المعتدلة” . حقاً اصبحت الدولة الامريكية اضحوكة امام العالم.
بعد فشل امريكا في احتلال العراق ركزت على بث التفرقة الطائفية في المنطقة كلها.
وبصورة خاصة انها اتهمت الحكومة المدنية في سوريا بالطائفية العلوية المعادية للاكثرية السنية من شعبها.
فمن الضروري ان يخجل الوزير جون كيري لتصريحه بعد اجتماع فينا بان المجتمعين قرروا حل الخلافات في سوريا بطريقة سلمية والعمل على احتفاظ سوريا بحكومة مدنية توحد الجميع.
ان صمود الجيش السوري بقيادة الرئيس بشار الاسد امام العدوان الامريكي السعودي القطري لاكثر من اربع سنوات دليل قاطع لرفض الشعب السوري للسيطرة الاستعمارية وبرهان على الشعبية الواسعة للرئيس بشار الاسد، تلك الشعبية لا تماثلها شعبية حكام السعودية او القطرية. كلنا امل بأن الحرب الاستعمارية في سوريا ستنتهي بانتصار الشعب على المستعمرين والدواعش.
في 2/11/2015