ايطاليا تودّع أحد أعمدتها [ فاتيمو ] المُحب لفلسطين!
رنا علوان
رحل الفيلسوف والسياسي الإيطالي جياني فاتيمو عن عمر يناهز 87 عامًا ، وهو من أشهر الفلاسفة الإيطاليين ومن أكبر دعاة “الفلسفة التأويلية” على المستوى العالمي ويحتل جياني فاتيمو مكانتين نادرتين نسبيًا باعتباره فيلسوفًا بارزًا وسياسيًا
و”الفلسفة التأويلية” بمفهومها ، التي ارتيطت به ارتباطًا وثيقًا ، تُشير إلى تطور (دراسة نظريات التفسير ، وفهم النصوص في فقه اللغة والنقد الأدبي) ، وقد ترجمت كتابات فاتيمو إلى عدد كبير من اللغات ، بينها العربية التي ترجم إليها كتابه [ نهاية الحداثة ]
ما يميز الفيلسوف فاتيمو هو حبه لفلسطين ، والعمل على ابراز حقها المسلوب منها عنوة ضمن اسطر كتاباته
ولد فاتيمو في مدينة تورينو بمقاطعة بييمونتي ، ودرس الفلسفة الوجودية في جامعة تورينو ، وتخرج في عام 1959 من ثم اصبح استاذًا في الأخلاقيات عام 1969 وخلال عام 1982 أصبح أستاذًا في الفلسفة النظرية ، كما كان أستاذًا زائرًا في عددٍ كبير من الجامعات الأمريكية
التحق بالحزب الشيوعي الإيطالي واُنتخب عضوًا في البرلمان الأوروبي للمرة الأولى عام 1999 ، ولولاية ثانية في عام 2009 وكان يحظى بشعبية واسعة بين الطلبة والشخصيات الاعتبارية
فاتيمو أكد في كتاباته على تاريخية ومحدودية الحالة الإنسانية ومركزية اللغة والتفسير ، ليس فقط في فهم العمل الفني ، لكن في كل أشكال الخبرة الأخرى ، كما اشتهر في كتابه “مغامرة الاختلاف.. الفلسفة بعد نيتشه وهايدجر” في أحزاب يسارية إيطالية
في عام 1999 ، انتخب الفيلسوف فاتيمو ، عضوًا بالبرلمان الأوروبي ، ثم لولاية أخرى عام 2009 ، وعرف بمواقفه الناقدة بشدة لإسرائيل والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني ، وسط العمل السياسي ايضًا
وكان أحد الموقعين على عريضة نشرت يوم 28 فبراير/شباط 2009 ، داعيًا الاتحاد الأوروبي إلى إزالة [حماس من قائمة المنظمات الإرهابية] ، ومنحها الاعتراف الكامل كصوت مشروع للشعب الفلسطيني
في العام 2013 أصدر فاتيمو كتاب [ تفكيك الصهيونية ، نقد الميتافيزيقا السياسية ] والذي يندرج ضمن سلسلة [ النظرية السياسية والفلسفة المعاصرة ] ، مقدمًا لجمهوره ، نقدًا سياسيًا وفلسفيًا عن الصهيونية بمفهموها العام ، وقد صنف هذا الكتاب على انه [ نقدًا متعدد الأوجه للأسس اللاهوتية والسياسية للمشروع الصهيوني والنتائج الاقتصادية والجيوسياسية والثقافية لهذه الأسس ] ، ويعد مساهمة كبيرة في المناقشات المحيطة بدولة إسرائيل اليوم ، حيث يشرح لنا الكتاب في طياته ، كيف أنه في حين تكيفت القوميات الأخرى مع حقائق القرن الـ21 والمفاهيم المتغيرة للدولة والأمة ، ظلت الصهيونية إلى حد كبير مقيدة بعقلية القرن الـ19، بما في ذلك تمجيد الدولة باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن روح الشعب ، كما سعى لتفكيك الأساطير السياسية “الميتافيزيقية” التي تشكل إطار وجود إسرائيل ، داعيًا العديد من الفلاسفة لمشاركته العمل اهمهم الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجيك
وفي العام 2014 ، وردًا على الحرب الإسرائيلية ، في 22 يوليو/تموز على غزة قال إنه يجب [ الرد على أولئك الصهاينة ] ، لو كان الأمر بيدي لدعوت إلى اكتتاب عالمي لشراء أسلحة للفلسطينيين لوقف الإسرائيليين الذين يقومون بذبح جماعي لهم
وفي بداية الثمانينيات اشتهر باقتراحه المرتبط بالأفق النظري لفكر نيتشه وهايدجر ، وأيضًا بالنقاش بشأن ما بعد الحداثة بعد أن رأى فيها “فكرًا ضعيفًا” يتخلى عن الفلسفة
اما في كتاب [ نهاية الحداثة ، العدمية والتأويل في ثقافة ما بعد الحداثة ] الذي نشر عام 1991 ، يغوص فاتيمو في الموضوعات المعقدة والفلسفية المحيطة بالانتقال من الحداثة إلى ما بعدها ، ويستكشف مفهوم العدمية ، وهو الإيمان بغياب المعنى أو القيمة المتأصلة في الحياة وكيف أصبح عقلية سائدة في الثقافة المعاصرة
ويجادل الكتاب في أنه مع تآكل المصادر التقليدية للمعنى والسلطة في عالم ما بعد الحداثة يلجأ الأفراد إلى التفسير وإعادة التفسير لفهم وجودهم ، كما يقدم “نهاية الحداثة” تحليلاً ثاقبًا للتحولات الفكرية والثقافية التي أدت إلى الشعور بخيبة الأمل وعدم اليقين في عصر ما بعد الحداثة ، مع التركيز على أهمية التفسير والتأويل كأدوات للتنقل في هذا المشهد الجديد
أهدى فاتيمو للمكتبة الفلسفية والسياسية 19 كتابًا ، وبلغت مساهماته الأكاديمية مئات الأوراق العلمية ، له منها ما هو جريء اذا صح التغبير ، فلقد عرف بإهتمامه بتحولات المسيحية كما في كتابه “المسيحية والحقيقة والإيمان الضعيفة”، و”مستقبل الدين”، وكذلك النقد الفني كما في كتابته “مطالبة الفن بالحقيقة”، وتوجهه السياسي الاشتراكي الديمقراطي
![ايطاليا تودّع أحد أعمدتها [ فاتيمو ] المُحب لفلسطين!رنا علوان 1 image 19](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2023/09/image-19.png)
2023-09-24