ايران والولايات المتحدة :المقايضة العربية المطلوبة!
وليد عبد الحي
بينما تستعرض كل من الولايات المتحدة وايران عضلاتهما خلال عمليات التفاوض السياسي ،وهو أمر بديهي في تاريخ العلاقات الدولية-، وبينما يبدو الرئيس الامريكي يعوم في لجة مياه جزيرة ابستين ويحاول التبرؤ من أوزارها، ويشعر بتعثر سياساته الداخلية وتحالفاته الخارجية في العديد من الميادين ،وهو ما يجرح نرجسيته المرضية، فان ايران تئن تحت وطأة أزمات اقتصادية ،ومعارضة تتحين الفرص للانقضاض على النظام ،وبيئة اقليمية تثير الشك اكثر من اليقين ، وضبابية السند الدولي لها –الصين وروسيا- ،ناهيك عن الخدر الذي اصاب اطراف محورها ..ذلك يعني ان طرفي التفاوض (ايران وامريكا) ليسا في وضع مريح.
في ظل ما سبق، من الضروري ان يتنبه الطرف العربي –إذا كان لديه الحد الأدنى من الادراك الاستراتيجي- ان نيتنياهو يحاول جر الموقف الامريكي الى مطالبه هو، وهي المطالب المتمثلة في انهاء البرنامج النووي الايراني ،ووقف انتاج الصواريخ القادرة على الوصول لاسرائيل ثم اغلاق صنبور المعونة الايرانية لاطراف محورها في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.
وهنا لا بد من أن يقوم الطرف العربي باستغلال فرصة التفاوض الايراني الامريكي بطرح الخريطة التفاوضية التالية:
أ- ان السبب المركزي لعدم استقرار الشرق الاوسط هو الموضوع الفلسطيني، فالقضية الفلسطينية هي الأم لعدم الاستقرار في المنطقة، فحتى لو استجابت ايران لمطالب الولايات المتحدة ،فان ذلك لا يضمن الاستقرار ،لان المنطقة مرهونة للقضية الفلسطينية منذ 1947 الى الآن، وكل مراقبة للصراعات المتعددة في المنطقة سواء أكانت صراعات داخلية او اقليمية او دولية ليست بمعزل عن تداعيات القضية الفلسطينية.
ب- بناء على ما سبق، على الدول العربية ان تتخذ موقفا واضحا ، بان تساند المطالب الامريكية الاسرائيلية تجاه ايران مقابل ” تحديد فترة زمنية واضحة وطبقا لبرنامج زمني محدد، يتضمن ان تنسحب اسرائيل من الاراضي المحتلة عام 1967 ،وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس ” ، وتؤكد الدول العربية مشروعية مطالبها التي تستند لعشرات القرارات الدولية وقرارات المحاكم الدولية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ، وهي مطالب ستساندها روسيا والصين والدول الاوروبية بخاصة المركزية منها، ناهيك عن حوالي 140 دولة اخرى.
ت- في حالة رفض اسرائيل القبول بالمطالب العربية فان الدول العربية تعلن ” العودة الى الحالة القائمة بين اسرائيل والعرب قبل معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، وانها ستعيد مكاتب المقاطعة لإسرائيل للعمل ، وستعتبر اتفاقات ابراهام لاغية.
مبررات الخطة العربية:
1- تدرك الدول العربية ان اية مواجهة بين الولايات المتحدة وايران واسرائيل لن تكون بمعزل عن المسرح العربي ،وقد تكون المرافق الحيوية من آبار ومصافي وانابيب النفط ومحطات تحلية المياه والمطارات والموانئ بعيدة عن نار المعارك الامريكية الايرانية الاسرائيلية. ذلك يعني ان احد اهم خطوات ابعاد الحرب القادمة بين واشنطن وتل ابيب من جهة وطهران من جهة ثانية هو تسوية القضية الفلسطينية…ليس حبا في الفلسطينيين ولكن كرها في التداعيات الرهيبة التي ستحيط بالمنطقة اذا اشتعلت الحرب التي لا يستطيع احد تصور تداعياتها، وهو ما يعني ان المطلب العربي فيه مصلحة عربية استراتيجية.
2- يمكن لايران ان تستغل المشروع العربي الذي طرحناه للتغطية على تنازلاتها في البرنامج النووي والصواريخ ومساندة محورها، فهي تستطيع القول بان كل اهدافي كانت دفاعا عن المطالب الفلسطينية ،فإذا تمت الاستجابة لها ،فان مشروعي حقق اهدافه، وهنا يتكامل المنظور العربي والمنظور الايراني، وهو ما يزيد من غواية قبول المشروع العربي .
3- لا بد من خلق الانطباع- لدى الغرب بطرفيه الامريكي والاوروبي- بان اشتعال النيران في الشرق الاوسط سيمنح روسيا المزيد من الفرص للتوغل اكثر في اوكرانيا ،وقد يغوي الصين لاقتناص الفرصة لانجاز صين واحدة على حساب تايوان.
4- ان تحقيق الدولة الفلسطينية سيجد له صدى في اغلب دول العالم التي تشعر بقلق من عودة اشتعال الحروب للأسباب التالية:
أ- احتمال ارتفاع اسعار البترول بشكل جنوني يرهق الجميع بخاصة اوروبا
ب- التأثير على طرق التجارة الدولية بخاصة البحرية منها.
ت- تعطل الطيران المدني وبالتالي السياحة وتجارة التزانزيت ونقل المواد الخام…
5- من الضروري مساندة المخاوف الدولية من أن أيران ” ربما يكون في جعبتها العسكرية مفاجآت” تجعل الامريكي يعيد النظر في استمرار المعركة ..وهنا ربما كبيرة.
6- ان طرح المشروع العربي المقترح سيستفيد من التراجع الكبير لمكانة اسرائيل الدولية بين المجتمعات ونخبها بما فيها الولايات المتحدة واوروبا،وهو امر نشرنا دراسة تفصيلية عنه ، ومن هنا فان هذه الصورة وتراجع معدلات الاستقرار السياسي في اسرائيل بشكل كبير ،ومحاصرة نيتنياهو باحتمالات المحاكمة ..تمثل بيئة تفاوضية لا بد من استغلالها عربيا.
7- ان طرح المشروع العربي لن يكون له اي قيمة إذا لم يرتبط بتهديدات جدية وقابلة للتصديق، ورغم قناعتي العميقة جدا “بعمق الخصي في النظام السياسي العربي”،فان ما ادعو له سيكون اقل ضررا من “الخصي القائم” وسيخدم هذه الانظمة ويعيد لها بعضا من مصداقيتها امام شعوبها.
8- ان المشروع المقترح يجب ان تصطف خلفه كافة القوى الفلسطينية بشكل يعكس وحدة الصف الفلسطيني ،وهو ما سيحرج الاطراف العربية والدولية ويمنع النفاذ من شقوق الخلافات ،ويزيد الحرج الامريكي وسيجد مساندة من روسيا والصين وأوروبا.
فاذا تم السير في هذا الاتجاه فان ترامب سيضيف لقائمة انجازاته سلام الشرق الاوسط، وستبعد الدول العربية شبح الكوارث التي قد تنتج عن جعلهم مسرحا لحرب لا ندري مخزونات السلاح لدى المتصارعين فيها، وستزيد من عزلة اسرائيل فوق عزلتها الحالية، بل وقد يفتح الباب لصراع داخلي محموم بين يهود اسرائيل ذاتها، وبينهم وبين يهود العالم من ناحية اخرى،بل بينهم وبين قوى غربية متجددة…
اخيرا ، من البديهي ان يدرك العقل العربي الرسمي ان التفاوض ليس مصالحة عقلية ،بل هو فن توظيف متغيرات القوة المادية والمعنوية واستغلال الفرص المتاحة، فإذا ذهبتَ لطاولة المفاوضات دون ان تحمل معك أدوات تأثير من الافضل ان لا تذهب،فالتهرب من التهديد العربي بالعودة عن معاهدات السلام والتطبيع سيكون “كساع الى الهيجا بغير سلاح”..وانا على يقين بان اتخاذ هذا الموقف العربي سيكون أداة للجم اغلب الخلافات العربية ،وسيخلق ظروفا تمتص التشنجات في الخليج وآسيا العربية بل والمغرب العربي…فهل من مستجيب.؟
اعلم حجم الاحباط العربي من النظم العربية، ولكن اسأل : من لديه بديل عليه ان يطرحه… ، او انتظروا ان تهندس أمريكا وايران وإسرائيل مسرحكم..أو أن تتلهون مع إبستين جديد.
2026-02-14